مفتاح
 
مفتاحك إلى فلسطين
 
 
 
 
مهما كانت النتائج التي ستتمخض عنها المفاوضات التي تبنتها إدارة الرئيس باراك أوباما، بين السلطة الفلسطينية وبين إسرائيل، فإنها لن تحل القضية الفلسطينية. فهناك أسباب كثيرة تدفع في هذا الاتجاه، في مقدمتها أن السلطة الفلسطينية لا تمثل الشعب الفلسطيني، بل تمثل جزء منه وهم الفلسطينيون الذين انتخبوها، أي سكان الضفة الغربية وقطاع غزة.

فالسلطة الفلسطينية مؤهلة للعمل على إنهاء الإحتلال الإسرائيلي المسيطر على الأراضي المحتلة منذ عام 1967، وعلى إقامة دولة فلسطينية تتماشى مع قرارات "المجلس الوطني الفلسطيني" الذي عقد في الجزائر عام 1988، حيث وافق فيه الفلسطينيون من ناحية المبدأ على حل الدولتين، وحسب المشروع العربي الذي وافقت عليه كل الدول العربية في "القمة العربية الدورية" التي عقدت في بيروت عام 2002، والداعي إلى إقامة دولة فلسطينية حسب قرار مجلس الأمن 242الدولي، مقابل اعتراف عربي شامل بإسرائيل. ولكن لم يأت في أي منها أن إقامة الدولة الفلسطينية معناه إنهاء القضية الفلسطينية برمتها.

فهناك أمور تتعلق بمصير الشعب الفلسطيني ليس من حق السلطة أن تقرر بها: قضية اللاجئين الفلسطينيين والتي ترفض إسرائيل حلها مطالبة العرب بتحمل مسؤوليتها، منطلقة من مبدأ أنها ليست هي التي أدت إلى خلق هذه المشكلة الإنسانية بل القادة العرب هم الذين خلقوها بطلبهم من الفلسطينيين أن يتركوا وطنهم مؤقتا، وسيعودون إليه بعد عدة أسابيع، الشيء الذي برهن علميا أنه غير صحيح (لقد كنت شاهد عيان عام 1948 على قيام الجيش الإسرائيلي بطرد السكان العرب من مدينتي اللد والرملة).

ثم هناك الأملاك العربية، حيث احتلت إسرائيل مدنا وقرى عربية عامرة قام ببنائها الشعب الفلسطيني. وسيطرت على أراض فلسطينية شاسعة فيها كروم الزيتون وبيارات الحمضيات، وبساتين الفواكه والخضار، وسهول الحبوب وغيرها.

كما استولت على البنوك العربية بكل ما فيها من أموال وودائع، وعلى المتاجر بما فيها من بضائع ومجوهرات وحجارة كريمة وغيرها.

ثم هناك المعاناة التي مر، ولا يزال يمر بها، الشعب الفلسطيني في مخيمات اللاجئين وفي الشتات وتحت الإحتلال نتيجة طرده من بلاده.

كل هذه أمور تتعلق بجوهر القضية الفلسطينية ولن تستطيع أي سلطة لا تمثل كل الشعب الفلسطيني أن تتخذ قرارات بشأنها، ومنها من يحتاج العودة إلى الشعب الفلسطيني لأخذ رأيه في استفتاء عام.

فإسرائيل من جانبها تريد أن تؤدي نتائج أية مباحثات أو مفاوضات مع السلطة الفلسطينية إلى حل نهائي للقضية الفلسطينية. بمعنى أنه لا يحق للفلسطينيين مطالبة إسرائيل بأي شيء بعد الوصول إلى اتفاق مع السلطة الفلسطينية. وهذا الموقف هو شرط مسبق أساسي لا يمكن أن يتقبله الفلسطينيون.

ففي يد الوفد الفلسطيني أكثر من ورقة في هذا المجال، محليا وعالميا يستطيع أن يستغلها. محليا تستطيع السلطة الفلسطينية أن تقول بصراحة أنها غير مخولة في التحدث بإسم جميع الفلسطينيين شعبا وفصائل، للأسباب التي سبق وذكرناها، وأن مسؤوليتها محددة في إنهاء الإحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية على الأراضي المحتلة منذ 1967 وعاصمتها القدس العربية.

وعالميا يمكن الاعتماد على القرارات الدولية التي أصدرتها الأمم المتحدة بهذا الشأن، وكذلك على قرار الرباعية الذي يقول أن الاتفاق: "الذي سيبرم بين السلطة الفلسطينية وبين إسرائيل هدفه التخلص من نتائج الإحتلال الذي بدأ عام 1967".

وهذا الموقف نابع ليس فقط بسبب أن العرب جميعا يريدون أن تنتهي نتائج الحرب المذكورة، بل إن المجتمع الدولي يريد ويطالب بإنهاء نتائج هذه الحرب وفي مقدمتها الإحتلال وما نجم عنه من بناء المستعمرات غير الشرعية، ومصادرة الأراضي والممتلكات العربية وبناء الجدار العنصري، والأبعاد الأخرى المتعلقة بالرؤية الإنسانية وغيرها والتي أدخلت عدم الإستقرار في منطقة من أهم المناطق الإستراتيجية والمهمة للعالم بأسره.

فصحيح أن الإدارة الأمريكية لم تذكر في بيانها بالنسبة للقاء الذي سيعقد في الثاني من أيلول/ سبتمبر 2010 في العاصمة الأمريكية، أي شيء يتعلق بتجميد البناء في المستعمرات اليهودية على الأراضي المحتلة، ولكنها قالت أنها تطلب من المشاركين أن لا يقوموا باتخاذ خطوات تعرقل المسيرة التفاوضية، وأن لا تكون هناك شروط مسبقة.

ولكن إسرائيل، كعادتها، لم تلتزم بذلك. فقد أعلن نتنياهو أن لديه شرط مسبق وهو أن على الفلسطينيين أن يعترفوا بإسرائيل "دولة يهودية"، وهو أمر يرفضه الفلسطينيون والعرب على حد سواء.

والصحافة العبرية غير متفائلة من نتائج هذه المباحثات أو أنها ستؤدي للوصول إلى سلام. فمثلا كتب آلون ليآل وكيل وزارة الخارجية الإسرائيلية في إدارة إيهود براك، مقالا في صحيفة "هآرتس" (29/8/2010) يقول فيه للإسرائيليين: "لا تقلقوا لن يكون هناك سلام". ويعلل ذلك بقوله أن هذا ليس بسبب أننا غير محتاجين للسلام لأنه: "بدون سلام إسرائيلي ـــ فلسطيني فإننا تقريبا سنضيع بل بسبب الأسلوب الذي يتبعه نتنياهو، فكلما أظهرنا عضلاتنا في مباحثات واشنطن، وهو ما يفكر به نتنياهو، فإن فشلنا سيكون أكبر".

وفعلا إن نتنياهو يشعر حسب ما تنقله وسائل الإعلام الإسرائيلية بأنه ذاهب إلى واشنطن منتصرا، فالأمريكيون لم يشترطوا وقف البناء في المستعمرات اليهودية، وقبلوا موقفه أن لا تكون هناك شروط فلسطينية مسبقة، وأن لقاءه الأخير مع الرئيس أوباما أشار بالنسبة له تراجعا عن المواقف التي كان يتبناها قبل ذلك اللقاء. كما يشعر أن الجبهة الداخلية في إسرائيل تدعم تحركاته بسبب تصلبه في مواقفه.

وتمشيا مع الأسلوب الصهيوني لإسرائيل، فقد أرسلت حكومة نتنياهو أكثر من وفد إلى واشنطن في محاولة من جانبها إقناع الإدارة الأمريكية بوجهة نظرها بالنسبة لاستمرار البناء في المستعمرات اليهودية بعد انتهاء الفترة التي حددها نتنياهو لهذا التجميد (أي حتى 26/9/2010). ولكن يبدو أن هذه الأمور لم تجد أرضا خصبة لدى الإدارة الأمريكية.

والواقع أنه لن يكتب النجاح لهذه المفاوضات إلا إذا تحققت نقطتين: الأولى أن يكون هناك ضغط أمريكي حقيقي خصوصا على إسرائيل لتنفيذ إقامة الدولتين. والثانية أن يكون هناك فصل بين إقامة الدولة الفلسطينية، وبين حقوق الشعب الفلسطيني. وهذا مطلب ترفضه إسرائيل. وبدون تنفيذ النقطتين المذكورتين فإنه سيكون مكتوب الفشل لهذه المباحثات أو المفاوضات.

* كاتب وصحافي فلسطيني يقيم في واشنطن. - FAsmar1@aol.com

 
 
اقرأ المزيد...
 
Footer
اتصل بنا
العنوان البريدي:
صندوق بريد 69647
القدس
عمارة الريماوي، الطابق الثالث
شارع ايميل توما 14
حي المصايف، رام الله
الرمز البريدي P6058131

فلسطين
972-2-298 9490/1
972-2-298 9492
info@miftah.org  
 
للانضمام الى القائمة البريدية
* تشير الى انها مطلوبة