أظهرت مبادرة السلام، التي تبناها مؤتمر القمة العربي في بيروت في 28 آذار/ مارس 2002، للمرة الأولى إجماع على إرادة عربية لتحقيق السلام مع الاستعداد المسبق لتحقيق الأمن لجميع دول منطقة الشرق الأوسط. وقد كان من المتوقع أن تولد هذه المبادرة أجواءً جديدة عبر تحويل التركيز عن المجابهة العسكرية والعودة إلى ميدان العمل السياسي. مع ذلك، فقد أسيء فهمها من قبل الحكومة الإسرائيلية والشعب الإسرائيلي، كما لم تظهر قوى محركة سياسية جديدة كانت متوقعة من قبل القادة العرب. والآن أصبح من الضروري أن يعمل كافة الأطراف لاستعادة قوة الدفع التي فقدت.

وقد ارتكزت المبادرة العربية على مشروع الأمير عبد الله ولي عهد المملكة العربية السعودية، والذي ينص على أنه مقابل انسحاب إسرائيل الكامل من المناطق العربية المحتلة، والتوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة في الضفة الغربية وقطاع غزة، فإن الدول العربية سوف تعتبر النزاع العربي الإسرائيلي منتهياً، وتقوم بتوقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل تضمن إنشاء علاقات طبيعية معها.

وينص إعلان بيروت في فقرته الخامسة على أن المبادرة " تدعو حكومة إسرائيل والإسرائيليين جميعاً إلى قبول هذه المبادرة حماية لفرص السلام وحقناً للدماء بما يمكن الدول العربية وإسرائيل من العيش في سلام جنباً إلى جنب ويوفر للأجيال القادمة مستقبلاً أمناً يسوده الرخاء والاستقرار."

وقد بدأ حسن الاستقبال الذي أظهره المجتمع الدولي ومن ضمنه الولايات المتحدة للمبادرة العربية يخبو خلال أسابيع قليلة. فقد تجاهل الرئيس الأميركي جورج بوش في خطاب رؤيته للسلام، والذي ألقاه الشهر الماضي أي إشارة لمبادرة السلام العربية، حيث بدا واضحاً أنه فقد الاهتمام الذي كان أظهره عند زيارة ولي العهد السعودي إلى كروفورد بولاية تكساس، الأمر الذي خلف إحباطاً شديداً في الجانب العربي .

يجب ألا نترك وعد هذه المبادرة يتبدد. فعلى الشعب الإسرائيلي أن يفهم بأن المبادرة العربية تشكل محاولة جادة من قبل القادة العرب للتأثير باتجاه نقل الوضع الحالي من نزاع مفتوح إلى عملية سياسية تتم فيها إزاحة العنف، والمتشددون الذين يثيرون العنف، من الطريق. على الإسرائيليين أن يفهموا انهم إذا لم يتمكنوا في الماضي من تحقيق أمنهم مع عرفات والسلطة الفلسطينية، فإن القادة العرب قرروا التقدم إلى وسط المسرح السياسي لتوفير فرصة جديدة لهم.

لقد عبر وزير الخارجية السعودي عن تلك الفرصة بوضوح تام في المؤتمر صحفي عقب الاجتماع:

" إذا كانت إسرائيل تطلب الأمن وتطمح إلى السلام فهذا هو الطريق إلى الأمن، وهو يتطلب منها الانسحاب وإعطاء الفلسطينيين كافة حقوقهم ومطالبهم المشروعة. فإذا قامت بذلك سترد الدول العربية بإنهاء حالة الحرب وتوقيع اتفاقية سلام وإنشاء علاقات طبيعية."

وأصبح واضحاً الآن أنه في الوقت الذي كان إعلان بيروت قيد الصياغة فإن كل من العنف والعنف المضاد كانا قد وصلا إلى الذروة، وكانت إدارة بوش لا تزال تفتقر إلى رؤية واضحة عن كيفية إطلاق جهد جاد لتحقيق وقف إطلاق للنار وإعادة الحياة لعملية السلام. ورغم ذلك، فإن استطلاعات الرأي على كلا الجانبين تظهر أن الأكثرية من الفلسطينيين والإسرائيليين يتقاسمون القناعة بأن الحل لا يمكن تحقيقه من خلال أساليب العنف وإنما عبر المفاوضات، مما يتيح المجال مرة أخرى للعمل الدبلوماسي بدلاً من الحرب .

ويجب إنعاش الجهود الدبلوماسية التي تقوم بها لجنة المتابعة العربية، على أن تتقدم باتجاهين:

الأول. في اتجاه الولايات المتحدة التي تملك مفاتيح عملية السلام والتي يعتمد عليها الموقف الإسرائيلي بشكل رئيسي. والثاني. باتجاه إسرائيل مستهدفة كلاً من حكومة شارون والشعب الإسرائيلي. ويجب على هذه الحملة التأكيد على النقاط التالية:

أولاً: السلام ليس أمراً يهم الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني فقط، وإنما هو أمر له أهمية حيوية لدى جميع الشعوب العربية.

ثانياً: تشكل المبادرة العربية رؤية مستقبلية وليس إمعانا في الماضي. أنها تقدم السلام والأمن والاستقرار والرخاء للأجيال القادمة.

ثالثاً: تفتح المبادرة الباب للمصالحة الكاملة بين العرب والإسرائيليين ولإنشاء علاقات طبيعية بين إسرائيل والدول العربية.

رابعاً: المبادرة هي دعوة صادقة للسلام. هي مجموعة مفاهيم لا تمثل خطة سلام، ولكنها تحدد الإرادة والمبادئ والغايات الرئيسية للسلام، وتترك لطرف ثالث مهمة وضع خطة مبدئية تمهد لصياغة إطار وبرنامج زمني لعملية السلام.

خامساً: تشكل المبادرة توجهاً مرناً واقعياً وسياسياً يتعامل مع كافة المخاوف التي عبرت عنها جميع الأطراف – إسرائيل وفلسطين وسوريا ولبنان – تاركةً الهامش والمرونة الضروريان لحل خلافاتهم حول كافة القضايا الرئيسية مثل القدس والحدود وحق العودة للاجئين.

سادساً: تسهل المبادرة عملية عقد منتدى دولي جديد لبحث السلام عن طريق الدعوة إلى تطبيق قراري مجلس الأمن 242 و 338 واللذين أعاد مؤتمر مدريد عام 1991 التأكيد عليهما، ومبدأ الأرض مقابل السلام، إضافة إلى المبادئ التي أرسى قواعدها الرئيس بوش في خطابه يوم 4 نيسان/أبريل الماضي ورؤيته للسلام التي أعلن عنها في حزيران/يونيو.

إن الحملة لتوفير قوة الاندفاع التي تستحقها المبادرة يجب أن تبدأ الآن، فالدبلوماسية العربية، التي تستخدم وسائل الإعلام بما في ذلك الفضائيات العربية، والقنوات الدبلوماسية المصرية والأردنية والمغربية والدولية، يجب أن تستهدف ليس الحكومة الإسرائيلية فقط بل اللاعبين السياسيين الإسرائيليين مثل حزب العمال والأحزاب اليسارية وحركة السلام الآن، إضافة إلى الشعوب العربية والتجمعات اليهودية التي تساند إسرائيل والمنتشرة في العالم. كما يجب أن تسخر الحكومات العربية تأثيرها لإقناع الفلسطينيين بإيقاف العمليات الانتحارية والتخفيف من حدة العنف ضد المدنيين من أجل تعزيز هذه العملية الدبلوماسية.

يجب التأكيد على حقيقة أن إعلان بيروت لا يشكل بياناً عادياً أصدره منتدى عربي. فهو عرض صادق وجاد لتسوية ومصالحة نهائية. ويحمل قيمة سياسية كبيرة في صياغته، إذ يقدم كافة الضمانات المتعلقة بالأمن والعلاقات الطبيعية . لقد اقترحته المملكة العربية السعودية، "حامية الحرمين الشريفين" ووافقت عليه القمة العربية بالإجماع. لقد اختار العرب طريق السلام، واصبح الأمر بين يدي الإسرائيليين للاختيار.

يتوجب على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته ويلعب دوراً مسؤولاً وبناءً.

- نزار عبد القادر محلل سياسي في صحيفة الديار البيروتية.