من المثير جدا معرفة ما قاله المناضل مروان البرغوثي لنفسه في احدى لحظات أسره المشرّف حين سمع عن سقوط حكومة اريئيل شارون. فهو الذي أسماه مرة "آخر الطلقات الاسرائيلية" وجد دليلا آخر على صدق تقديره السابق والثاقب. وهي لحظة جميلة بالطبع تلك التي ينظر فيها المناضلون من وراء القضبان الى قراصنة الاحتلال وهم يسقطون، وربما يضحكون على بؤس قوتهم المدججة ببشاعة. فهذا هو حال المستعمرين، والاحتلال الاسرائيلي منهم. وهذا هو حال المناضلين، والبرغوثي هو أحد أبرزهم. انها معادلة اثبتها الحكيم الاكبر، التاريخ.
قد نقول إن الانتفاضة هزمت شارون وهذا صحيح. وربما نتخيّل الرئيس الفلسطيني الصامد ياسر عرفات يخرج من جيبه قلما ويؤرخ: اليوم أسقطنا شارون أيضا، لينضم الى سابقيه الذين لم يعرفوا حدود بطشهم، وبالتالي لم يتدبروا لملمة حكوماتهم فتهاوت كصورة مرآة للبيوت الفلسطينية التي لا يزالون يدمرونها بكل اجرام من جهة، وبلا أية جدوى من جهة أخرى. وسيقول لنا محللون كثر إن الحكومة سقطت عند اقدام الفقراء والمحرومين من العمل والجياع من الذين ضاعفت هذه الحكومة عددهم، بتبلّد يرسم ألف علامة سؤال على البلاغة القومية والايديولوجية التي يصمّ بها موظفو جهاز الاحتلال، من سياسيين وعساكر، آذان الاسرائيليين ليل نهار. فما هو هذا القومي الذي يترك أبناء قومه يجوعون؟ هنا تصحّ تماما، مع شيء من التحريف غير المضر، المقولة: "القومية أحيانا هي الملاذ الاخير للاوغاد".
هذه التقديرات مجتمعة تؤلف صورة صحيحة. ولكن القاعدة التي تقف عليها ليست سوى ذلك الجرم الأكبر: الاحتلال الطويل المتطاول الذي تطول عواقبه البشعة كل شيء. قد يسمع هذا الكلام غريبا، ولكن الحقيقة أن الاحتلال طال شارون أيضا وهزمه. نحن بحاجة لقليل من التأمل فقط حتى نرى الصورة. خذوا القصة القصيرة التالية:
يوم السبت الماضي جرى ايقاف متظاهرين من "شباب الجبهة" و"تعايش" عند مستوطنة "أريئيل" على حاجز عسكري طارئ.. جاءت اليهم حفنة مستوطنين ودار نقاش متعدد اللهجات والصيحات. ولكن القشة التي قصمت ظهر مزاعم وحياء حتى هذه العلقات الاستيطانية كانت محمولة على السؤال التالي: ألا تخجلون من أن الحكومة تصرف عليكم بلا منطق على حساب من يدمر حياتهم اليأس والضائقة والفقر والبطالة، ومن شعبكم اليهودي؟ عندها رأيت اولئك الزاعقين يدافعون عن أنفسهم بالقول إنهم لم يأتوا هنا وحدهم بل ان الحكومة هي التي أرسلتهم. حتى أن احدهم أعلن في لحظة حرج وضعف عن استعداده للخروج من حدود 1967 اذا نال تعويضا ملائما. (أخرجت مفكرتي طالبا تسجيل اسمه على هذا التصريح الصحفي الهام لكنه أبى وهرب!). في الطريق عند حاجز عسكري آخر يسمى "تبوح" وجدت أحد الجنود يبرر وجوده هناك بالقول انه ملزم بتنفيذ الاوامر، وأنني سأستغرب لو كشف لي عن آرائه السياسية، ولكنه جندي - أضاف - وممنوع عليه أن يخوض في السياسة حين يؤدي مهمته العسكرية.. (وكأن هذه ليست السياسة بعينها).
بعدها سارت قافلة المتظاهرين المتضامنين الى قرى نابلس وظلت كلمات المستوطنين والجندي تحقق معي: الى أين ستصل هذه القوة المفرطة. وكان أحد الاجوبة: الى نهاية حدودها طبعا، فهذه مسألة طبيعة ايضا..
المهم في كل هذا هو أن المقولات الدفاعية الكاذبة وصلت آخر مراحل حياتها. لم يعد بالامكان التستر خلف "الارهاب" لتبرير هذا الجنون السياسي والهوس العسكري. فآخر الطلقات الاسرائيلية أيضا اتضح أنها طائشة بشكل مريع، على كل آثارها الدموية في الشعبين (مع حفظ التفاوت بتشدّد تام..)..
من السهل القول الآن إن هذه النهاية، وقد تكون مؤقتة أو على طريق النهاية الكبرى، لحكومة أو حكومات الاحتلال، كانت نهاية متوقعة. وقد يقول أحدنا إن هذه "أدلجة لما بعد الحدث". ولكن هذا النضال الفلسطيني ليس فريدا من نوعه بل انه جزء من التجربة النضالية الانسانية الاممية من اجل التحرر والعيش ضمن حدود عدالة نسبية. هو النتيجة وليس العكس. والعلّة، بالمعنيين، في هذا السياق المحدد من الصراع الأوسع، تتمثل بالاحتلال. والاحتلال ليس ممارسته العسكرية الفعلية فحسب بل انه ايضا منطقه ومفاهيمه وقواه السياسية والاقتصادية والاعلامية. وبما أن هذه العناصر معا تشكل معسكرا فلا بد أن تنشأ لها تناقضاتها، هذه ايضا من الطبيعيات وهي معروفة بالوعي منذ عهد الجدلي الاول، هيروقليطس اليوناني. وحتى لو حوّل البعض النضال الفلسطيني الى ملحمة بلاغية أو الى منظومة أيديولوجية أو الى رؤيا غيبية فحسب، ليخرجه بذلك من سياقه الانساني الواسع، فان هذا النضال سيظلّ النقيض الاول للاحتلال وهو مترتّب عليه. (أكرر: في هذا السياق المحدد من الصراع الأكثر تعقيدا!).
ولكن المسألة لا تتوقف هنا، بمعنى أنها لا يمكن أن تظل في حدود تجسيد لصراع يدور في بعد واحد، بالاسود والابيض، فهذه سخافة سياسية أو كسل ذهني. لأن حالة الاحتلال لا تتفاعل في عواقبها على الشعب الفلسطيني الواقع تحت عبئه فقط، بل أنها تطال أيضا الجهة المستفيدة منه لأنها بدورها جهة متفاوتة الابعاد وليست أحاديّته. هنا يتمثّل هذا التركيب الشائك فيما ينتجه الاحتلال، كحالة سياسية تعتمد الهيمنة والاستثمار والتخطيط، على مركبات هذه الجهة أيضا. هكذا تخلق الحالة الكبرى تقسيمات ومفترقات طرق داخلية. الاموال المستثمرة تكشف المصالح والرؤى والتوجهات السياسية، ولكنها تحدد أيضا القوى المستفيدة والشرائح المتضررة. سيكون لها بالضرورة اغنياؤها وفقراؤها. وعلى اعتبار اننا متفقون على ان الفقر ليس ناتجا عن "فشل وغباء الفقراء" كما يروّج أبواق السوق "الحرة"، بل عن جشع ومصالح ممارسي الاستغلال ، فلا شك أن ازدياد عدد فقراء اسرائيل وضحاياها الطبقيين هو النتيجة الحتمية لتفضيل الاحتلال وفروعه على كل شيء تقريبا. هنا يظهر النقيض الداخلي الحتمي. وهكذا تلتقي التقديرات المختلفة التي تقوم على مفارقة فيها مأساة وأمل في آن واحد: شارون بما يمثله مع حلفائه كان سيصل ككل سابقيه الى نقطة الصدام مع الافرازات الداخلية المتراكمة لسياسته.
وحتى لو سكتت القوى السياسية الاسرائيلية ببشاعة على الثمن الحياتي اليومي الذي يدفعه الفلسطيني بسبب هذه السياسة غير الاخلاقية، فانها ستواصل دوما العودة للاصطدام بالثمن الداخلي القاسي. ولا يوجد دليل على ذلك أفضل من حقيقة تراجع الاستقرار السياسي الاسرائيلي الى حد خطير، فمنذ سنوات طويلة لم تكمل حكومة واحدة فترتها الانتخابية. قد يجد المتفذلكون ألف سبب وتفسير. ومع ذلك سيعودون دوما الى حقيقة أن الاحتلال لا يزال يحارب حكومات الاحتلال في اسرائيل، ويسقطها. المسخ يقوم على خالقه؟ ليس بالضبط.. المسخ يمسخ نفسه.
وماذا بشأن الشعب الفلسطيني؟ واضح، سينتصر طبعا!
*صحافي فلسطيني يقيم في مدينة حيفا.