تجددت المساعي السياسية المنصبة على إحداث تغيير جوهري في خطة الطريق الأمريكية مع زيارة ، مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط للمنطقة ، وقد بدى الجهد الذي بذلته القيادة الفلسطينية ، بتحركها المكثف والنشط على المستوى العربي ، سواء بالزيارات التي قام بها وزراء الإعلام والتعاون الدولي ، ومن ثم عقد اجتماع مجلس وزراء خارجية الدول العربية في إطار الجامعة العربية، وكأن هذه الجهود قد أوصلت الرسالة المطلوبة للولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي ولكافة المعنيين بالاستقرار في المنطقة ، أن هناك تفهم وتأييد للمطالب الفلسطينية بشأن الملاحظات والتخوفات من خارطة الطريق مما يستدعي فعلياً تعديلها وبما يمكن ليس من قبولها فحسب وإنما اعتبارها أساسا للحل السياسي الذي تراجعت فرصه بصورة متزايدة مع تزايد وتيرة التصعيد العسكري الإسرائيلي الذي وصل ذروته بإعادة احتلال الضفة الغربية وحوالي ثلث قطاع غزة ، والذي قابله رد فعل فلسطيني مقاوم لم يقتصر على المناطق المحتلة ،أو التي أعيد احتلالها فحسب بل طال العمق الإسرائيلي وأحدث ردود أفعال متباينة عليه وحوله ، ليس على المستوى الفلسطيني والإسرائيلي، فحسب وإنما على المستوى الدولي أيضا.
طرح خطة الطريق من جانب الولايات كترجمة لخطاب الرئيس بوش في حزيران الماضي ، وان جاءت هذه بمبادرة أوروبية ، إنما تعكس توافقا دوليا حول أسس الحل القادم والياته ، ورغم التباين الذي قد لا يبدوا واضحا أحيانا بين الموقف الأوروبي والأمريكي ، لكن ومع ذلك فان وجود هذا التباين مكن في فترات سابقة من توظيفه واستثماره لصالح الموقف الفلسطيني، رغم محدودية تأثيره على صنع وصياغة القرار الأمريكي الذي تزداد ميوله المنفردة في قيادة العالم مع بزوغ فجر الأحادية القطبية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق ومنظومة الدول الاشتراكية ، هذا الميل تعزز اكثر وأكثر بعد أحداث 11 سبتمبر الماضي، ووضع الولايات المتحدة في ظروف تتشابه فيها المناخات الدولية بوضع ألمانيا هتلر قبل الحرب العالمية الثانية .
لقد طرح الفلسطينيون مطلباً محقاً منذ بداية الانتفاضة بتوسيع الرعاية الدولية للعملية السياسية وإشراك أطراف دولية أخرى بما في ذلك الأمم المتحدة ، وذلك للتعويض عن التفرد والانحياز الأمريكي لإسرائيل طيلة إدارة العملية السياسية خلال المرحلة السابقة ، وقد جاء تحقق ذلك ليس استجابة للضغوط العربية والدولية التي اقتنعت بصحة وجهة النظر الفلسطينية ، بل لان إدارة الرئيس بوش منذ بداية تسلمها لمهامها حاولت الانسحاب وتقليل تدخلها لأدنى مستوى ممكن ، مع الحفاظ على دورها القيادي والحاسم والمقرر في المنطقة ، لكن تفجر الأوضاع على النحو الذي حدث خلال العام الجاري سرع في تشكيل اللجنة الرباعية لكنه لم يعطي مزيداً من الإسهام في صنع القرار فيها للأطراف الأخرى ، وبقى الهامش محدوداً للإتحاد الأوروبي وأعطيت الأمم المتحدة دور المظلة الدولية التي قد يكون لا غنى عنها أمام الإصرار العربي والفلسطيني بالتمسك بمرجعية الشرعية الدولية .
القراءة السياسية للوضع الدولي وانعكاساته الإقليمية في إطار التفرد الأمريكي على المستوى العالمي، تطرح إشكالية التعاطي مع خطة الطريق الأمريكية وكيفية صياغة وتقديم الموقف الفلسطيني منها، ليس وفقاً للقاعدة الذهبية والأثيرة لدى القيادة الفلسطينية ، نعم ولكن ، فهذه القاعدة قد تكون ملائمة وصحيحة ومفيدة في فترات سابقة ، لكنها الآن وأمام التفرد والانحياز الأمريكي لإسرائيل قد تكون مدخلاً للتنصل من كثير من الالتزامات المترتبة على إسرائيل طبقاً لها، وكانت قد أبدت عليها اعتراضاتها المسبقة قبل سقوط حكومة الوحدة بين العمل والليكود ، واليوم وفي ظل الحكومة اليمينية الانتقالية الحالية فإنها قد أرجئت إعطاء موقفها إلى ما بعد الانتخابات الداخلية لقيادة الليكود نهاية الشهر الجاري ، حتى لا تكون الموافقة أو الرفض أحد قضايا التنافس الانتخابي الداخلي وبالتالي يصبح الموقف قيدا على القيادة الجديدة ، كما وأن التفهم الأوروبي والتبني العربي للتخوفات والمحاذير الفلسطيني من خطة الطريق ، قد تشكل الآن مدخلا لتحرك سياسي نشط وفاعل ، في ضوء الفسحة الزمنية المتبقية لغاية انعقاد الاجتماع الرسمي على المستوى الوزاري للجنة الرباعية الشهر القادم في باريس .
إن موقفا فلسطينياً واضحاً إزاء الخطة، والعمل على إحداث تغييرات فيها وبما يتلاءم والمصالح الفلسطينية، واستبعاد المحاذير والمزالق الخطرة التي تحتويها ، فإنه رغم صعوبة تحقيقه بالكامل فانه يستحق منا المحاولة وبذل الجهود، والاستفادة من حالة الإرباك والشلل في التحرك السياسي الإسرائيلي الناجم عن الانهماك في الشأن الانتخابي الداخلي، ولغياب المحامي الدولي بيرس الذي لعب دور الواجهة لحكومة شارون .
ومن هنا ورغم محدودية النتائج المتوقعة من زيارة المبعوث الأمريكي على صعيد بلورة مواقف إجمالية اتجاه خطة الطريق بسب عدم الاستعداد الإسرائيلي لأعطاء أجوبة، وانهماكه كما تشير بعض المعلومات في إيجاد حلول لبعض المسائل المعلقة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل وخصوصاً المستحقات المالية للسلطة الفلسطينية المحتجزة لديها ،فإن الإعلان عن الموقف الفلسطيني بالترحيب بالخطة والحرص على تطبيقها والمطالبة بالرعاية الدولية في تطبيقها منذ البداية وفي كل مراحلها لضمان الحكم على جدية التعامل معها وقطع الطريق أمام الأشتراطية والحكم من جانب واحد. أن هكذا موقف من شأنه أن يعزز المطالب الفلسطينية في إدخال التعديلات التي تصب في جانب منها في الحصول على ضمانات وتطمينات دولية مسبقة في الخطة، ورغم النواقص التي تكتنف العديد جوانبها لن تكون عبارة عن سقف تفاوضي قابل للهبوط ، وفرض مزيد من التنازلات على الجانب الفلسطيني. كما وان تحول الخطة إلى مشروع دولي بعد تبني اللجنة الرباعية لها وبمشاركة عربية في إطارها، ينبغي أن تشكل الموافقة الفلسطينية المشروطة عليها بالمشاركة والرقابة الدولية على التطبيق في كافة المراحل ، أداة لحشد موقف دولي ضاغط على الحكومة الاسرائيلية مهما كان شكلها وطابعها بعد الانتخابات القادمة ، وبقدر ما أنها ستشكل التزاماً فلسطينياً محفوفاً بالمخاطر، فإنه ينبغي العمل على تحويلها للألتزام دولي لتحقيق السلام في المنطقة على قاعدة تطبيق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالصراع العربي الإسرائيلي ، وبما يكفل الانسحاب الشامل من كافة الأراضي العربية والفلسطينية المحتلة عام 67بما فيها القدس وقيام الدولة الفلسطينية عليها تطبيقا للقرار 1395.