افتتاح بازار الانتخابات الداخلية الإسرائيلية مع إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلي المستقيل شارون ، عن تقديم الانتخابات التشريعية للكنيست اثر انهيار حكومة الوحدة الوطنية مع حزب العمل ، وفشله في عقد تحالفات مع أحزاب اليمين المتطرف بتشكيل حكومة أقلية يمينية سواء بمشاركة مباشرة من هذه الأحزاب، أو بتوفير شبكة أمان لها من الخارج إلى أن يحين الاستحقاق الانتخابي الرسمي في نوفمبر العام القادم .
الأزمة السياسية تلك، والتي أفضت إلى تبكير موعد الانتخابات إنما تعكس في حقيقة الأمر تخبط الوسط السياسي الإسرائيلي ، وأي الخيارات الأكثر ملائمة التي يتعين عليه اتخاذها لمعالجة الوضع الداخلي بشقيه الأمني والاجتماعي الاقتصادي ، والذي لم يعد من الممكن فصل أي منهما عن الآخر ، فرغم محاولات شارون التعامي عن هذه الحقيقة ، وإعلاناته المتواصلة انه حقق انتصارات على الإرهاب الفلسطيني ، لا تلبث هذه الإعلانات أن تواجه بانتكاسة جديدة ، ويكتشف الشارع الإسرائيلي أن لا الأمن ولا السلام قد تحقق ، وان إنجازات حكومة شارون، بن العيزر، بيرس كانت جلب المزيد من الكوارث الاجتماعية والأخفاقات الاقتصادية، وتدني كبير في حجم الاستثمارات التي لا غنى للاقتصاد الإسرائيلي عنها ،وتراجع في مستويات الدخل وارتفاع في عدد المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر حيث وصل العدد الإجمالي حسب تقرير الفقر للعام الماضي إلى مليون ومائة وتسع وستون ألف مواطن ، ومما لاشك فيه أن تفاقم الأوضاع هذه وعلى جميع المستويات كانت السبب الرئيس في دفع بن العيزر إلى مغادرة مقاعد حكومة الوحدة الوطنية تحت قيادة شارون ، طمعا واملا في قطع الطريق على منافسه القوي متسناع على قيادة حزب العمل من جهة، ورغبة منه في تحميل شارون واليمين مسؤولية الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية ، أملا في استعادة نفوذ ودور ومكانة الحزب التي تدهورت جراء تذيليه لمدة عامين لشار ون في حكومة الشراكة الكارثية تلك .
الآن وبعد أن انطلق موسم الانتخابات المبكرة ، والذي سيفتتحه حزب العمل في التاسع عشر من الشهر الجاري ، والذي سيختتم في الثامن والعشرين من شهر يناير من العام القادم بانتخابات الكنيست ، مروراً بانتخابات الليكود في الرابع من الشهر القادم والتي لا تقل سخونة عن مناخات التنافس داخل حزب العمل، فشارون مازال رغم الحملات الإعلامية المركزة التي يشنها نتنياهو ضده يتمتع بفارق ولو مازال ضئيلاً ألا انه قد يمكنه لحسم المعركة لصالحه ويضعه في موقع المتنافس مع زعيم حزب العمل الجديد .
وعليه فإن حزب العمل ورغم محاولات بن العيزر توظيف انسحابه من حكومة الوحدة الوطنية ، وإظهار نفسه بمظهر من يريد استعادة هوية الحزب الاجتماعية والمعبرة عن مصالح الطبقات الفقيرة من جهة ، وبمظهر الاختلاف مع شارون على صياغة سياسات لصنع السلام مع الفلسطينيين وهي الشق الثاني من المعادلة الداخلية الاسرائيلية ، رغم هذه المحاولات فإنه لم يستطع من ردم الفوارق بينه وبين منافسه القوي ميتسناع ، وبالتالي فإن ، فإن كافة المؤشرات كانت تدلل على فوز شبه أكيد لمتسنياع على منافسيه ، بن العيزر ، وحاييم رامون وسيتحدد بموجبه من سيقود حزب العمل في المعركة الانتخابية على قيادة البلاد للسنوات الأربع القادمة .
ورغم القراءات العديدة لاستطلاعات الرأي العام التي تجريها مراكز الأبحاث واستطلاعات الرأي العام والتي تعكس تفوقاً شبه أكيد لمعسكر اليمين وقدرته على تشكيل حكومة بأغلبية مريحة بدون الأضطرار إلى المساومة مع الأحزاب الأخرى لتشكيل حكومة وحدة وطنية ، ومن هذه المؤشرات مضاعفة قوة الليكود ، على حساب شاس وبعض الأحزاب الصغيرة الأخرى وتزايد نفوذ الأحزاب المتطرفة من جهة أخرى كنتيجة منطقية وطبيعية لمناخات التطرف التي ترعاها الحكومة الانتقالية الحالية ومن قبلها حكومة الوحدة الوطنية ،رغم هذه القراءات التي تعكس تفاؤلا من إمكانية فوز اليمين وتمكينه من مواصلة برنامجه بتقديم قضية الأمن على القضايا الاجتماعية والاقتصادية الأخرى ، وقدرته على فرض تسوية سياسية على الفلسطينيين بمناخات دولية وعربية مواتية، منها استمرار الولايات المتحدة الأمريكية في تهيئة الظروف والمناخات للعدوان على العراق ، وتزايد الضعف والإنهاك في الوضع الرسمي العربي وتقبله لأي حل قد يفرض على الفلسطينيين بما في ذلك تغيير قيادتهم . هذا السيناريو الذي تحاول أن تبثه قوى اليمين الإسرائيلي بشكل مبكر بعد أن تحددت خارطة الصراع الحزبية إلى حد ما بين المرشحين الرئيسيين في حزبي الليكود والعمل الهدف منه خلق أجواء ومناخات تساهم وتؤثر في تشكيل مزاج الرأي العام وتعبئته باتجاه واحد ، بان المعركة الانتخابية محسومة نتائجها سلفاً ، وانه لا فائدة من تضييع الأصوات وصبها في المكان غير المناسب وضياعها بدون قوة تأثير وفعل ، وإذا ما كانت الأوساط اليهودية مستهدفة بهذه الطريقة للتأثير عليها لصياغة مواقفها ، فإن الوسط العربي الفلسطيني في إسرائيل يتعرض منذ الإعلان عن موعد الانتخابات المبكرة لحملة تأثير وتشكيك قوية ومباشرة ، تقودها هذه الأوساط بعد أن فشلت محاولاتهم السابقة من إخراج بعض القوائم العربية عن الشرعية السياسية ومنعها من المشاركة في الانتخابات بدعوى مساندة الإرهاب ، أو دعم أنظمة تدعم الإرهاب والمقصود السلطة الوطنية الفلسطينية ، حملة التشكيك تلك اتخذت طابعاً حمل تساؤلات من قبيل لماذا العرب يريدون مقاطعة الانتخابات ، أو هل سيشارك كل العرب في الانتخابات ، هذه التساؤلات تفوح منها رائحة عنصرية قديمة جديدة لدى اليمين الإسرائيلي ، لإخراج الجماهير الفلسطينية في إسرائيل عن دائرة الفعل والتأثير السياسي في المعادلة الداخلية ، والأسلوب التشكيكي الجديد المتبع بعد أن فشلت المحاولات العنصرية عبر القانون لإخراج هذا الصوت وعزله بدأت تتخذ هذا المنحى ، ووجدت هذه الدعوات صدى عند بعض الأوساط التي كانت ومازالت تعبر تاريخياً عن موقف مبدئي إزاء الانتخابات والمشاركة فيها ، أو لدى أوساط أخرى تتناغم وتتقاطع مع مصالح اليمين الصهيوني وتدعوا لمقاطعة الانتخابات بدعاوى غير مبررة ومفهومة .
إن النتائج التي ستسفر عنها الانتخابات الاسرائيلية القادمة ستحدد ليس مصير عملية السلام والخارطة السياسية في المنطقة ، في ظل مناخ دولي تتزايد فيه حدة الاستقطاب والهيمنة الأمريكية على العالم ، ولا يلوح في الأفق القريب إمكانية لصياغة علاقات دولية اكثر توازنا ، تؤثر على قرارات الولايات المتحدة ومخططاتها إزاء المنطقة ، والتي تعتبر إسرائيل والتحالف معها ركن أساسي من إستراتيجيتها تلك ، وكذلك في ظل وضع رسمي عربي مفكك وضعيف ويبحث عن الحماية الذاتية ، بالاندماج والتساوق مع المخططات الأمريكية على حساب المصالح الوطنية والقومية ، في ظل هذا المناخ فإن الفعل والتأثير في مسار الانتخابات الاسرائيلية مسألة ذات صلة بمستقبل النضال الوطني الفلسطيني ، وبشكل ومضمون التسوية السياسية التي ستحددها القوى الفائزة في الانتخابات القادمة .
وكما أن للمواطن الإسرائيلي مصلحة في تحسين ، واستعادة المستويات الاقتصادية والاجتماعية ومناخات الأمن والاستقرار المولدة لتلك المستويات التي كان عليها قبل التدهور الناجم عن الأوضاع الاقتصادية بفعل الانتفاضة ، فإن الجهد ينبغي أن ينصب باتجاه عمل كل ما من شانه المساهمة للحيلولة دون نجاح اليمين من تحقيق مأربه والفوز بالانتخابات القادمة ، سواء بدفع الجماهير الفلسطينية للمشاركة السياسية والانتخابية بزخم اكبر لإيصال اكبر عدد ممكن من ممثليها لدائرة الفعل والتأثير السياسي في الكنيست القادمة أولاً، والعمل على توحيد القوائم العربية وتقليله ما أمكن مع حثها على عقد اتفاقيات لتبادل الأصوات فيما بينها خشية ضياع الأصوات الفائضة وذهابها لمعسكر الأحزاب الصهيونية .
كما وأن تطوير وتوسيع الحوار الوطني الفلسطيني بين مختلف القوى الوطنية والإسلامية ، ومحاولة الوصول إلى برنامج حد أدنى سياسي واقعي وملموس ، وتتحدد فيه الوسائل الكفاحية ايضاً ، وبما يؤدي إلى تطوير أشكال وأساليب المقاومة في المناطق المحتلة عام 1967 ، لجعل كلفة الاحتلال باهظة الثمن ،والتوقف عن العمليات التي تستهدف المدنيين داخل الخط الأخضر، والتي تقدم المزيد من الذرائع للقوى اليمينية وتسلحها بأسلحة قوية تستخدمها لتعبء الشارع الإسرائيلي ولتنفخ فيه روح التطرف والعنصرية لزيادة مكاسبها الانتخابية ، إن نجاحنا في هذه المساعي لا يجعل من فوز اليمين قدراً لا مفر منه ، بل قد يفتح الآفاق بعد هزيمته وهي ممكنة، أمام قوى اليسار الصهيوني مدعومة بالصوت العربي القوي والتي على ما يبدو تعلمت من دروس الانتفاضة أن الحل العسكري مع الشعب الفلسطيني غير ممكن ومضمون النتائج ، وأن لا بديل عن خيار صنع السلام ودولتين لشعبين .
رام الله