لم يعد هناك مجال للاوهام. ان عاماً ونيفاً من التغطية الكاملة التي وفرتها الادارة الاميركية لمذابح أرييل شارون، تدفعنا الآن الى القهقهة سخرية من القول، ان رئيس الحكومة الاسرائيلية سيكون اليوم عرضة لضغوط قوية عندما يلتقي الرئيس جورج بوش.

لا حاجة بنا حتى الى متابعة ما نقلته الوكالات الدولية عن صحافة اسرائيل، فليس صحيحاً ان "شارون سافر الى الضغط الاميركي" كما عنونت "معاريف" اول من امس. وليس صحيحاً أيضاً، ان كل ما يريده بوش، هو ضبط الايقاع الاسرائيلي وفق النوتة الاميركية في مسألة ضرب العراق، بمعنى ان تلتزم اسرائيل ضبط النفس تجاه بغداد، كما حصل في خلال "عاصفة الصحراء"، ربما لأن "الاهتمامات المشتركة" بين واشنطن وتل ابيب تتركز الآن على "خريطة الطرق" التي ستوضع قيد التنفيذ بعد سقوط النظام العراقي.

ان العلم البدائي البسيط في التكتيك والتمويه، يقضي باثارة هذا المقدار من ضباب التعمية في الشرق الاوسط، لضمان الانضباط العربي في الصف الاميركي، او على الاقل لاسقاط الذرائع التي يمكن ان يجرؤ بعض العواصم العربية على إثارتها كسبب لعدم الانضباط، ما دام شارون يغالي في تصوير الحرب ضد بغداد وكأنها حربه هو قبل ان تكون حرب بوش.

ولا شك ان الكثيرين في هذه المنطقة استبشروا امس وفركوا يداً بيد وهم يقرأون التحليلات الخادعة والخبيثة طبعاً، التي تحدثت عن ضبط اميركي لشارون في هذه المرحلة، اي عشية بدء الحرب على العراق، وهو ضبط لا يتوقف على الموضوع العراقي كما قيل، بل يتناول المسألة الفلسطينية، بمعنى دفع الحكومة الاسرائيلية الى تنفيذ سياسات جديدة معاكسة تماماً لتلك التي نفذتها حتى الآن واعادت احتلال الضفة الغربية، وتمهد لاحتلال قطاع غزة.

وليس صحيحاً ان في جعبة بوش قائمة مفصلة من المطالب هي تحديداً سبعة مطالب، سيلقي بها بين يدي شارون، لأن الادارة الاميركية ليست مستعجلة الآن، للعودة بالفلسطينيين والاسرائيليين الى مائدة المفاوضات، في وقت يبدو مستقبل الصراع العربي - الاسرائيلي محوراً اساسياً يتحكم بخطوط "خريطة الطرق" التي يمكن ان تعني أيضاً خطوط الجغرافيا السياسية وربما "السيادية" التي تريد اميركا ان ترسمها فوق الشرق الاوسط والخليج.

حتى لو كانت ادارة بوش تريد تهدئة تفضي الى ما يعيد الاسرائيليين والفلسطينيين الى التفاوض، فان دون ذلك عراقيل اساسية، تتعلق بمصير المطالب الاميركية للاصلاح السياسي الفلسطيني، الذي يصل الى رفض بقاء ياسر عرفات في الرئاسة، وكذلك عراقيل جوهرية تتمثل في رفض أرييل شارون وحكومته، العودة حتى الى ما كان عليه الوضع عشية الانتفاضة، أي في 27 أيلول (سبتمبر) من عام2000.

وكي لا نغرق في التحليل على خلفية فرضيات التعمية، يجب أن لا ننسى ولو لوهلة، أن لقاء بوش - شارون اليوم، هو لقاء شريكين ينسقان المواقف والخطط عشية توجيه ضربة الى العراق يعرف الجميع انها ستزلزل المنطقة كلها.

ويتعين ان لا ننسى تحديداً ما جرى في خلال مناقشات الكونغرس، تمهيداً لاعطاء بوش صلاحية شن الحرب على العراق. فقد اعلن يوم السبت الماضي، ان الكونغرس رفض تعديلاً على مشروع القانون قبل اقراره، كان يطالب بتوسيع صلاحيات الحرب لكي تشمل خمس منظمات "ارهابية". الانباء الواردة من واشنطن لم تحدد هذه المنظمات، لكن يكفي ان نعلم ان رئيس لجنة الاستخبارات بوب غراهام، قدم التعديل على خلفية طلب توسيع صلاحيات الحرب لكي تشمل كل الشرق الاوسط، كي نعرف المنظمات الخمس المقصودة.

قد يكون من الضروري التذكير، بأن غراهام كان مجرد ناقل لوجهة نظر بوش، لكي تكتمل معالم الصورة المفترضة التي يرسمها اجتماع بوش وشارون اليوم. فاذا كان الرئيس الاميركي يريد فعلاً توسيع صلاحياته لشن الحرب ضد منظمات مثل "حماس" و"الجهاد" و"فتح" و"حزب الله"، فان رئيس الحكومة الاسرائيلية سيحاول تذكيره، بان لا حاجة باميركا الى مثل هذه الحروب، لان اسرائيل منهمكة فيها، ويكفي ان تطلق يده وتمده بما يطلبه من تأييد وتغطية ومساعدات مادية وعسكرية.

واذا كانت "يديعوت احرونوت" اختصرت "مطالب" بوش من شارون بكلمة واحدة: "اهدأوا"، فان من العباطة بمكان أن تثير هذه الاضاليل الهدوء في العواصم العربية!

عن النهار اللبنانية

ضبط النفس ام... الخرائط؟ راجح الخوري