في حلقة ضمت بعض النواب والسياسيين طرح سؤالان: هل تعمد الولايات المتحدة بعد الحرب على العراق الى ايجاد تسوية سلمية عادلة للقضية الفلسطينية وذلك وفاء بوعدها المتكرر للعرب وللفلسطينيين بايجاد هذه التسوية؟ وهل ستدعو الحكومة الفلسطينية الجاري تشكيلها الى وقف اعمال العنف تمهيدا للعودة الى طاولة المفاوضات في وقت قريب، وهل تستجيب حركة "حماس" والجهاد الاسلامي الدعوة، وكيف ستتصرف الحكومة الجديدة عندئذ حيالهما؟

ثمة من رأى انه لا بد للولايات المتحدة بعد الحرب على العراق من ان ترضي الانظمة العربية الصديقة والشارع العربي والاسلامي الذي لن يتحمل حرب العراق وبالتالي تسوية القضية الفلسطينية عوض تصفيتها لكن التوصل الى هذه التسوية يتطلب من الحكومة الفلسطينية الجديدة ان تعمل جادة وجاهدة على وقف اعمال العنف التي ثبت انها لن توصل في المدى القريب وربما في المدى البعيد الى حل وتوفر بالتالي ذريعة للجيش الاسرائيلي كي يواصل هجماته على المدن والبلدات الفلسطينية واعتقال عدد من القادة الفلسطينيين واعتقال بعضهم الآخر بذريعة انهم ارهابيون خصوصا ان التنافس قد يشتد بين الزعماء الاسرائيليين مع اقتراب موعد الانتخابات السنة المقبلة، على ركوب موجة التطرف لكسب اصوات الناخبين.

وفي اعتقاد اصحاب هذا الرأي ان الحكومة الفلسطينية المرتقبة ستتعظ من اخطاء الحكومة السابقة التي لم يكن لها سياسة واضحة من اعمال العنف والمقاومة، اذ انها كانت تدعو تارة الى وقف هذه الاعمال ولا تستجاب دعوتها ولا يكون لها موقف من عدم الاستجابة، وطورا تكتفي بشجب هذه الاعمال والتنديد بها عندما تستهدف مدنيين اسرائيليين داخل الاراضي الاسرائيلية.

لقد نجح ارييل شارون في اقناع ادارة الرئيس بوش ان اسرائيل تواجه ارهابا اشد خطرا من الارهاب الذي واجهته الولايات المتحدة في 11 ايلول وان اسرائيل تعيش في قلب الارهاب المتمثل بالفصائل والتنظيمات الفلسطينية المتشددة، فجاءت العمليات الاستشهادية بعد ذلك، لتثبت لادارة الرئيس بوش صحة مخاوف شارون، فما كان منها الا ان وافقت على اطلاق يده في الرد على هذه العمليات بدعوى الدفاع عن النفس.

وقد انقسم الزعماء الفلسطينيون حيال استمرار العمليات الاستشهادية لا سيما تلك التي تستهدف المدنيين داخل اسرائيل وليس داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة. ولم يتم التوصل الى اتفاق على اعتماد سياسة موحدة لمواجهة الاحتلال الاسرائيلي، فبعضهم يرى ان لا سبيل الى التخلص من الاحتلال الا بالمقاومة وبالعمليات الاستشهادية مهما بلغت التضحيات وبعضهم الآخر يرى خلاف ذلك ويعتبر ان هذه العمليات تؤلب ضد الفلسطينيين ليس الولايات المتحدة فحسب بل دول الاتحاد الاوروبي المتعاطفة وتفقد بالتالي مبرر الدفاع عنهم، ومستعدة للوقوف بشدة ضد اسرائيل عندما تكون هي المعتدية والشعب الفلسطيني هو المعتدى عليه، وما كان لاسرائيل ايضا ان تتذرع بالعمليات الاستشهادية لتحكم قبضتها على الشعب الفلسطيني وتكرس احتلالها، لا بل تزيد مساحة الاحتلال.

ويستمر الجدل والنقاش في اوساط النخبة السياسية الفلسطينية حول جدوى الاستمرار في الهجمات المسلحة ضد اسرائيل وفي تنفيذ العمليات الاستشهادية، وتتوالى الدعوات الى العودة بالانتفاضة الى طابعها الشعبي لا العسكري من اجل الحصول على الدعم الدولي اللازم لانهاء الاحتلال الاسرائيلي واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

ويذكر ان محمود عباس (ابو مازن) كان قد اعلن في حديث تلفزيوني "ان استخدام السلاح كان افدح الاخطاء التي ارتكبها الفلسطينيون خلال الانتفاضة اذ ليس لنا القدرة والامكانات لمواجهة اسرائيل عسكريا، وان انتفاضة شعبية بوسائل سلمية تعبر عن رغبات الجماهير هي الافضل".

وقال مسؤول فلسطيني اخر: "ان العمل الشعبي وحده كفيل بتحقيق انتصارات وضمان تأييد عالمي لقضيتنا". واضاف: "لقد دخلنا تجربة المقاومة المسلحة اكثر من مرة، وثبت دوما ان المقاومة الشعبية هي الاقدر على تحقيق نتائج وان استخدام الحجر كسلاح اساسي في مواجهة الجيش الاسرائيلي، هو الافعل والافضل". لقد بات لدى عدد من الزعماء الفلسطينيين اقتناع بان العالم لا يعترض على اهداف الشعب الفلسطيني انما يعترض على الوسائل التي يعتمدها لبلوغ هذه الاهداف. فالاسرة الدولية طالبت وتطالب عرفات والسلطة الفلسطينية بوقف الهجمات والعمليات الانتحارية التي تستهدف مدنيين وعدم الاكتفاء بتوجيه نداءات لهذه الغاية تبقى دون استجابة لدى حركتي "حماس" و"الجهاد الاسلامي" ومجموعة كتائب شهداء الاقصى القريبة من حركة "فتح" فعندما يكون السلوك النضالي الفلسطيني مقبولا من العالم، فان شارون لا يستطيع استغلال اي تطور في شأن العراق من اجل مواصلة ضرب الشعب الفلسطيني.

ويأمل هؤلاء الزعماء بان يستفيد الرئيس عرفات من الهيئة الشعبية التي ناصرته لفك الحصار عنه، لاحداث تغييرات داخلية وبعث النشاط الشعبي وتخفيف عسكرة الانتفاضة.

هذه هي الصورة كما يراها بعض من ضمتهم الحلقة، وفي رأي بعضهم الآخر ان اتصالات تجرى بين القيادات الفلسطينية على اختلاف اتجاهاتها للاتفاق على سياسة موحدة تجاه اسرائيل وتجاه الاحتلال، وهل يجب مواصلة الانتفاضة المسلحة ام الانتفاضة الشعبية. لكن هذه الاتصالات لم تسفر عن نتيجة حتى الان. لان الحركات الراديكالية لا سيما "حماس" و"الجهاد" لا تؤمن بغير السلاح وبالعمليات الاستشهادية وبذل الدماء سبيلا للتحرير والتحرر، وان الانتفاضة الشعبية لا تستطيع ان تخرج الى الشارع عندما يواجهها الجيش الاسرائيلي بقسوة.

وثمة من يرى ان شارون سوف يحاول ان يقبض من الولايات المتحدة ثمن حياده في الحرب على العراق، دعما ماليا وحلا للقضية الفلسطينية يكون في مصلحة اسرائيل وبعد القضاء على ما يسميه "ارهابا" فلسطينيا مع الاحتفاظ بحق اسرائيل في الدفاع عن نفسها اذا تعرضت لهجوم صاروخي عراقي، او لعميات كبيرة من "حماس" و"الجهاد" و"حزب الله" ابان الحرب على العراق. الواقع انه لا يمكن التكهن بما سوف يتخلل الحرب على العراق وما هي الخريطة الجديدة التي سترتسم معالمها بعد هذه الحرب. ففي الولايات المتحدة انتخابات قريبة وفي الضفة والقطاع انتخابات ايضا بعد قيام حكومة جديدة، وفي اسرائيل استعداد للانتخابات يشتد فيها التنافس على التطرف، وقد تكون نتائج الحرب على العراق ولاستمرار المواجهة بين الاسرائيليين والفلسطينيين، انعكاسات عليها.

عن النهار اللبنانية