لم يتردد ارييل شارون في تمزيق "خريطة الطرق الاميركية" التي يتولى وليم بيرنز تسويقها في الشرق الاوسط. ولم يتوانَ، وزير دفاعه بنيامين بن أليعازر في القائها جانباً لأنه كان مهتماً باقتحام جنين بعد العملية التي نفذتها حركة "الجهاد الاسلامي".
لا يشكل هذا خروجاً على التوقعات، لكن المفاجأة جاءت من شمعون بيريس، الذي يجتهد دائماً لاظهار اعتداله قياساً بتطرف شريكيه في الحكومة شارون وبن أليعازر.
مفاجأة بيريس كانت بمثابة اطلاق رصاصة الرحمة على رأس خريطة الطرق، لكن هذا الاعدام" جاء في سياق كلام لا يؤكد وجود قرار اسرائيلي بافتعال "المشروع الاميركي" فحسب، بل يكشف ان هناك فعلاً خططاً اسرائيلية تتجاوز الحديث عن خريطة ترسم الطرق الى طرق ترسم الخرائط الجديدة.
ليس المقصود هنا الحديث عن خرائط الشرق الاوسط عموماً، وقد باتت موضع تخمينات ونقاشات ترجح حصول تغييرات اساسية فيها، في سياق عملية ضرب العراق، بل المقصود تحديداً خريطة التسوية بين الفلسطينيين والاسرائيليين، التي لم تعد تتوقف عند حدود دفن "اتفاق اوسلو" وما نجم عنه فحسب، بل دفن فكرة السلام بين الطرفين من اساسها، وهذا يعني استطراداً دفن "رؤية بوش" لقيام الدولة الفلسطينية، بما يجعل من حديث واشنطن هذه الايام عن"خريطة الطرق" مجرد اوهام او ترهات!
يتعين قراءة كلام بيريس الذي ادلى به الخميس الماضي بدقة: "هناك فسحة كافية من الوقت امام اسرائيل لدراسة مسودة "خريطة الطرق" التي يحملها بيرنز (...) سأجتمع مع رئيس الحكومة وننسق الموقف، وعلينا ان لا نتعجل في اعطاء الفلسطينيين شيئا في هذه المرحلة من دون ان يقدّموا من طرفهم شيئاً (...). انهم حتى الآن يعطوننا عمليات ارهابية. وفي تقديري انه من الممكن ان تحدث تطورات مختلفة حتى نهاية هذه السنة، وقد لا نحتاج بعدها الى اعطاء شيء"!
واضح طبعاً ان بيريس يراهن على تطورات ومتغيرات كبيرة وحاسمة، ستنجم من عملية ضرب العراق، لكن المثير لا بل المقلق، ان هذه التطورات تعني تحديداً تغيير الخريطة الديموغرافية الفلسطينية، تغييراً جذرياً وحامياً، بما يؤدي الى "عدم الحاجة الى اعطائهم شيئاً".
ومن الواضح ان انتفاء الحاجة الى اعطاء الفلسطينيين الحد الادنى من حقوقهم، او المطالب التي حددتها الاتفاقات الموقعة بكفالة اميركية، لن يكون نتيجة غياب الرغبة الفلسطينية في الحصول على هذه الحقوق، بل نتيجة غياب الفلسطينيين انفسهم!
ماذا يعني هذا؟ انه يعني واحداً من امرين:
* اولاً: ان تؤدي عملية ضرب العراق الى خلق البنية الميدانية والسياسية على مستوى اقليمي، بما يسمح لاسرائيل بسحق الانتفاضة وفرض "سلطة" فلسطينية جديدة تقبل بدفن كل الاتفاقات الماضية على هزالها الفاضح، والاكتفاء بنوع من الحكم الذاتي يستمد بقاءه من سلطة الاحتلال.
* ثانياً: ان تؤدي عملية ضرب العراق الى حدوث اضطرابات وصدامات تفتعلها اسرائيل وتكون مقدمة لتنفيذ مخططها الذي يسعى شارون لتنفيذه منذ البداية، اي تهجير الفلسطينيين من اراضيهم في اتجاه الاردن ودفعهم شمالاً حتى العراق، وهو ما سجل مشكلة الديموغرافيا الفلسطينية داخل اسرائيل التي طالما نظرت اليها تل ابيب على انها قنبلة موقوتة.
وفي ظل احتمالات كهذه وقياساً بالرفض الاسرائيلي القوي الذي واجه طروحات بيرنز، يمكن القول ان "خريطة الطرق الاميركية" هي محاولة للايحاء للعرب ان واشنطن تسعى لتنفيذ "رؤية بوش"، بينما يضع الاسرائيليون "خريطة الترانسفير" على نار العراق الحامية.
عن النهار اللبنانية