ليس لأن الموت صار على بعد شارع أو شارعين مني، على بعد صديق أو إبنة صديق، أمقته وأرفضه علماً بكل ملابساته وحيثياته. فهو لحظة يحصل يكون مُطلقاًَ فيأتي رفضي له مُطلقاً.
هو في اللحظة التي يحدث فيها يكون حدثاً بحد ذاته وعليه، من الشجاعة أن نراه بحد ذاته فنرفضه بغير إضافة أو إستدراك. لنتفق على إن الموت الحاصل بأيدي القاهر المطروح خياراً على الضحية الفلسطينية جريمة لا تُغتفر ولا يمكن تسويغها، وقبول الضحية لخيار الموت ونقله الى نحر القاهر في الحقيقة أو في الوهم فعل مشابه بل مطابق من حيث الجوهر علينا أن نرفضه بالمعيار ذاته وبالحدة ذاتها.
لا شيء بإعتقادنا يوجب الموت لأجله،ولا الوطن - وهو متخيّل - ولا الدين ولا الإيمان ولا أية قضية. ما من شيء يوجب أن نذهب لأجله الى حتوفنا أو أن نرسل آخرين الى حتوفهم. وإذا كان القاهر الاسرائيلي على عربدته وفظائعه قد تخلى عن كل إعتبار يعفي المرأة الحامل من الموت ويحرر الطفل من إصابة قذيفة، وطلّق بالسبع أخلاق الصراع و»أصول« الحرب، فإن الضحية، مهما يكن حجم المعاناة، لا يُمكنها أن تفعل الشيء ذاته. ولا يُمكن أن تختار الموت الذي يقترحه عليها الاسرائيليون باحتلالهم وقمعهم. أما إذا كان هناك من حوّل السعي الى التحرر والعيش الكريم الى »مشروع شهادة« »مقدس« ليقيم الحياة الكريمة في السماء، فإني على يقين بأن المعاناة على الأرض ستستمر ردحاً آخر غير قصير من الزمن.
ندرك إن للمسألة حيثيات وتفاصيل لا يُمكن إغفالها، كأن نقول إن الإسرائيلي لا يترك للفلسطيني سوى خيار الموت الفعلي أو الروحي، المطلق والنسبي، وان الفلسطيني حيال هذا الوضع يقف بين خيار الموت بنار بندقية أو بقذيفة أباتشي أو بعبوة زرعت في سيارته، أو بين الموت الذي »يغيظ العدا«.
وهذه وفق كل المعايير حالة مركبة وقاتلة لا يمكن أن نستهين بها. لكنها لا يمكن أن تصادر ذرة العقل المشيرة أبداً الى ناحية الحياة. ولأن المسألة وجودية وسياسية في آن تتعقد الأمور وتتراكم عوامل ونوازع ودوافع ناضلت كل الفلسفات حتى لا تدفعنا الى تدفعنا الى الهاوية.
ضيّق الإسرائيليون المفازة بين الحياة وبين الموت وزجوا بطاقات هائلة مما يملكون في هذا المسعى الجهنمي حتى بات الفلسطيني يسعى الى الموت بارادته مدعوماً بأسانيد من »المقدّس« ومن »الأسطورة« ومن الموروث. وحاله، ان »قبل أن تحصدني بنارك سأحصدك بناري/ بروحي/ بجسدي/ بشهادتي«. لا يمكن إغفال هذا المركب في إنتاج هذا الموت! لكن علينا الإنتباه إلى أن في الجانب الإسرائيلي يعتمدون المقولة ذاتها في رسم السياسات تجاه الفلسطينيين وحقوقهم وتطلعاتهم.
للمقاومة ألف وجه. للنضال ألف وسيلة. لإعلان إننا لن نركع ألف صوت فلماذا نختار الأسهل وهو الموت على هذا النحو المفجع وعلى مساحة واسعة في الجغرافيا وفي الوجدان وفي عدل المطلب الفلسطيني؟ المقهورون غير محررين من السؤال الأخلاقي وتبعاته. وهم مطالبون بالخوض في كل الأسئلة كما تثار حيال الفعل العنفي وكما تثار حول كل الأساطير البطولية في كثير من المواقع. فهل كان من اللزوم إزهاق أرواح كل هذه الملايين حتى يندحر هتلر عن مشارف ستالينغراد؟ وهل كان من اللزوم ان يموت مليون شهيد جزائري حتى يصير الجزائري باحثاً عن ملاذ آمن في فرنسا من خناجر ذوي القربى ودعواهم المقدسة؟هل كان من الضروري أن تتدمر مدن وتخرب بلاد حتى يكتب ويدرس عن بطولات نابليون وفذاذته العسكرية؟وهل ينبغي ان تقوم فلسطين على هذا الكم الهائل من الدمار والأشلاء والإعاقات الجسدية والروحية،بالضبط كما قامت إسرائيل؟
المشاريع النضالية كما نفهمها تنشد الحياة ولا نراها الاّ عكس الموت نقيضاً له.وقد أحسنت أوساط فلسطينية حينما فكرت بوقف أحادي الجانب للعمليات المقاومة لمدة سنة.وقد سبقتها أوساط طالبت بالمقاومة اللاعنفية،بالنضال السلمي غير المسلّح وفق خطة سياسية متفق عليها محسوبة مرسومة بالتفاصيل تحقن الدم ولو جزئياً!
مفزعة سهولة الموت كما رأيته في حيفا أمس،وكما حضر بهيبته في جنازة قمر أبو حامد)ابنة ال14ربيعاً(إبنة عائلة صديقة لأب كان زميلاً على مقاعد الدراسة وفي عيني مرام إبنة الطبيب مجدي حلبي التي فقدت أعزّ صديقة لها هي أفيغايل وفي هلع أسرة ديلاوية كريمة لا تزال حتى الان تحاول أن تتعرف على جثة إبنتها. هذا الموت بسهولته، بالمادة الخام التي يشكلها في أيدي الإسرائيليين قيادة وإعلاماً، وفي أيدي الذين إختاروا مقاومة الموت بمثله، هذا الموت يفزعني إلى حدّ الشلل التام من أن نتعافى من تبعاته. في الجانب الاسرائيلي ينتجونه بفعل قوتهم وتفوقهم وعنصريتهم ورغبتهم في إلغاء الآخر والدوس فوقه، وفي الجانب الفلسطيني، تتعلّق به الضحية المقهورة لتسجل في التاريخ انا البطل! ولا بطولة في الموت وفي الإنتقام، في القتل الرخيص وفي سفح دم طرابين الحبق! البطولة ليست في إنتاج ميزان الرعب بل في إنتاج ميزان للحياة. وبين هذا وذاك ألف ميل تتسع لألف بطل وبطل يحفظون الحياة ولايخلقون جهنم على الأرض في طريقهم إلى »الجنّة« في السماء. فعلى حدّ علمنا أبواب الجنة لا تُفتح لمن خلّف وراءه شلال دم زكي لصبية ممسكة بدفتر مذكراتها! ترى ماذا سجلت فيه قبل أن ترحل؟
مهما يكن من أمر هذا الموت فإننا على حالنا مقتنعون بعدل المطلب الفلسطيني وبطلان الرواية الإسرائيلية من أولّها إلى آخرها. هناك روايتان وحقيقة واحدة وفي إطار هذه الحقيقة نحفظ لأنفسنا حق الاستئناف والنقض نمارسه كلّما أراد أحد من كان القفز فوقها أو إحتكارها أو حرفها عن موضعها في صدر الزمن.
عندما يحاول الاسرائيليون بعنف مدمّر التستر عليها بالموت، حري على الفلسطيني أن يكشفها ويُعلنها بالحياة!