الحرب الإستعمارية الأمريكية ضد العراق بدأت، تماما مثلما كانت الأرضية السياسية التي نشأت فيها، مأزومة. فكل آلة الحرب الجبارة، بالتكنولوجيا المتطورة عابرة الفضاء، قد تقلصت إلى جملة صواريخ موجهة لاهداف ليس معروفا إذا كانت ستقع في بؤرة الاستهداف المقصودة لها، وذلك كي تحل محل ما وُعد به العراق من جهنم القصف الأولي الذي كان يفترض به أن يمهد للاجتياح البري، حتى يكاد الناس لا يعرفون فيما اذا كانت الحرب قد بدأت حقا، أم أنها مجرد مناوشات تستبق هذه الحرب.
في ظل الحرب النفسية التي شنتها أمريكا ضد العراق، أشيع بأن الضربة الاولى ستتضمن قصف بغداد ومحيطها بثلاثة آلاف صاروخ موجه، بل وجمدت ما يسمى بالقنبلة العظمى التي تزن آلاف الاطنان لغرض هذه الحرب. وبفضل ما لادارة بوش الحالية من سمعة سيئة من حيث الاتزان الفكري، فقد ازداد أثر الحرب النفسية على الناس حتى باتوا يصدقون ان الجحيم سيسقط على بغداد ما أن يعلن بوش الحرب عليها.
غير أن الجبل تمخض فولد فأرا. والقنابل الجبارة وآلاف الصواريخ الموجهة وإعلان الحرب الشاملة، قد تقلصت جميعها لتصبح مجرد ما وصفه بوش نفسه "ببداية المرحلة الأولية للعمل العسكري في العراق".
والأزمة هنا تتمثل في أن الضربة الواسعة الساحقة الشاملة هي وحدها التي قد تسحق العراق وتنزله على ركبتيه، ولكنها في نفس الوقت كفيلة بأن تشطب المبرر السياسي، الذي قامت عليه الحرب. فبعد ان يسحق العراق ويقتل شعبه لن يبقى من يمكن تحريره مما يسمى بالطغيان وإحلال السلام والديمقراطية في أوساطه.
وبالمقابل فان الامتناع عن مثل هذه الضربة الاولى الساحقة، بحيث يبقى المبرر السياسي قائما يعني الدخول في حالة حرب استنزاف طويلة غير مضمونة النتائج محليا او العواقب عالميا.
ومع ذلك فيبدو أن الولايات المتحدة وحليفتها الملحقة الصغرى، بريطانيا، ولا أدري كيف أن هذه العظمى سابقا صارت على هذا القدر من الالحاق والتبعية والصغر، قد اختارت السبيل الثاني.
ليست هذه الحرب إلا في اولها. ومن المشكوك فيه جدا ان يكون بوسعها الوصول الى ما حلم بها الامريكيون والبريطانيون بسلاسة احلامهم الاستعمارية.
ومهما يكن من أمر، فالنتيجة لا يمكن ان تبتعد كثيرا عن المقدمة. واذا كانت مقدمة هذه الحرب عديمة المبرر الاخلاقي او السياسي، فلا بد أن نتيجتها ستكون على ذات المستوى.
لقد بدأت الحرب الأمريكية دون اسناد عالمي، بشرعية قانونية، أو قناعة أخلاقية، أو حتى مصلحة حقيقية. فما هي بالفعل مصلحة أمريكا في مثل هذه الحرب. وهل يمكن لها ان تقنع أحدا في أن إحلال الديمقراطية مثلا في الدول الاخرى، ولا سيما في دول العالم الثالث، هو هدف جدير بكل هذه التضحيات بالغالي والنفيس من مال وسلاح وأرواح، حتى بالنسبة للامريكيين أنفسهم؟ واذا لم يكن هذا هو الدافع الحقيقي، واضطر المحللون او المخمنون الى ارجاع الامر الى هياج تقاليد الثأر لدى رعاة البقر المكسيكيين، حتى يتحفز بوش الابن بكل هذه القوة للثأر لكرامة أبيه، فإنه لدافع ادنى بكثير من مستوى الاقناع أو القبول.
ولعل ثمة من يشير الى دافع قد يكون أعمق، فيقال انه النفط، او الدولار، أو الصناعات الحربية الأمريكية. وحتى هذا الدافع يبقى هزيلا، في ضوء الثمن العالي الذي قد تتكبده الولايات المتحدة في حالة إطالة أمد الحرب، واستنزاف الطاقات وارتفاع الخسائر في الأرواح، وتردي المعنويات بين الجنود وفي الجبهة الداخلية. فالنفط مضمون لامريكا، بل إنها أقل الدول المتقدمة احتياجا او ارتباطا بالنفط العربي. فاليابان مثلا ما كانت لتفعل أقل من ذلك بكثير وهي المرتبطة والمحتاجة أكثر من أمريكا للنفط العربي.
كما أن هناك دافع الخطر الاستراتيجي. وحتى هذه الحجة ليست مقنعة كثيرا. فايران مثلا متقدمة من حيث أسلحة الدمار الشامل عن العراق، بل إن كوريا الشمالية أعلنت على الملأ أنها تحوز أسلحة نووية وهي لن تنتظر الولايات المتحدة أن تبدأ بحرب ضدها وستبادر هي بهذه الحرب اذا ما شعرت بأي تهديد.
بمعنى أن هذه الحرب تعوزها كثير من المبررات السياسية الحقيقية والجدية التي تجعل من الحرب أمرا لا مفر منه على إعتبار استنفاد كل الوسائل الاخرى لتحقيق ذات الاهداف. ومثلما هي الحجج والمبررات للحرب هزيلة، هكذا جاءت أيضا أشكال تنفيذها، هزيلة بذات القدر.
وعليه، فانه اذا لم يرتكب النظام العراقي، في مواجهته لالة الحرب الامريكية، أخطاء استراتيجية تفقده ما ناله العراق من دعم معنوي وسياسي في أرجاء العالم، وتمكن من الصمود لفترة زمنية طويلة نسبيا، كشهر مثلا، وتمكن من ايقاع خسائر في الارواح بين القوات الامريكية، فلا بد لان تثور حقا أسئلة عسيرة في أوساط الجمهور الامريكي الذي يعميه غرور القوة بقدر ما يغشي بصره الخطاب الزائف للديمقراطية والحرية والسلام. عندها سيتلعثم بوش وعصابته حتى ينتهي هو وتنتهي معه مغامرة العودة المتأخرة للاستعمار القديم.