من المسلم به ان ترحب اسرائيل بالربط الذي احدثه الرئيس الامريكي جورج بوش بين الحرب في العراق وبين المسيرة السلمية الاسرائيلية الفلسطينية. وفي نفس الوقت فان من الطبيعي بذات القدر ان يرفض الفلسطينيون شعبا وقيادة هذا الربط.
بالنسبة لاسرائيل يوحي الربط بان الولايات المتحدة ترغب في مواصلة المسيرة السياسية في الصراع الاسرائيلي - الفلسطيني بذات الافق والتوجه وربما الاساليب التي تنتهجها في معالجة موضوع العراق. كأن يقول القادة الاسرائيليون إن الولايات المتحدة بعد ان تفرغ من حربها ضد "الارهاب" في العراق فانها ستعمد الى تصفية "الارهاب" الفلسطيني الموازي. ولهذا فانهم يستمدون من ذلك التشجيع في أن هذا الحل سيكون في صالحهم إذ أن "الارهاب" الفلسطيني هو الذي يعوقهم من حسم المعركة ضد الفلسطينيين وحبك تسوية على قياسهم.
وبالنسبة للفلسطينيين فان هذا الربط ثقيل الوطء. اذ انه لا يسعهم على الاطلاق ان يتصوروا "حريتهم" و"تحررهم" كنتيجة لدمار العراق وقتل شعبه. فانطباعهم الاساس هو أنهم في خندق واحد مع العراق وشعبه. فكيف ستأتيهم الحرية جراء عبودية أشقائهم !؟ أما الامريكيون، فحسب تعليمات الكتاب في الديبلوماسية الشرق أوسطية، فانهم يظنون أنفسهم ملزمين "بالتوازن". وهم لا يربطون بين القضيتين الا على سبيل العلاقات العامة وخلق الانطباع بانهم لا يستهدفون العراق شعبا وأمة وحضارة ودين. ودليلهم على ذلك هو أنهم يرون في ضرب العراق مدخلا لحرية واستقلال شعب آخر شقيق من ذات الأمة وذات الحضارة وذات الدين. "أرأيتم كيف أننا متوازنون ونزيهون؟".
وحتى هنا فانه لا الترحيب الاسرائيلي، ولا الرفض الفلسطيني، ولا حتى الوعد الامريكي يضمن بان تكون الدولة الفلسطينية نتيجة لضرب العراق.
فالامريكيون، أولا في سياق الحرب ثم بعدها مباشرة وربما لفترة طويلة، سيجدون من الانشغالات والهموم ما يصرفهم عن كل اهتمام محتمل بالنزاع الاسرائيلي- الفلسطيني . فاسقاط النظام في العراق ليس نهاية المهمة. فهم ملزمون إما بادارته بأنفسهم احتلالا سرعان ما يغرق في وحله، او تتويج قيادة محلية موالية. وفي الحالتين فان هذه مهمة في غاية العسر. كما أن إسقاط النظام لن يأتي قبل دمار شامل يحل بالعراق وشعبه، مما يفترض مهمات اخرى للبناء في غاية الصعوبة والكلفة. فهل سيتركون هذه الانشغالات ليتفرغوا للضغط على حليفتهم الوحيدة في الشرق الاوسط، وربما في العالم، كي تتنازل وتمنح حلفاء أعدائها دولة على طبق من فضة!؟
أما اسرائيل، ولا سيما في ظل الحكومة اليمينية السائدة فيها، فانها ما كانت لترحب بهذا الربط الذي عقده بوش بين ضرب العراق والدولة الفلسطينية، إلا لانها متأكدة أولا من أن الربط يأتي على سبيل العلاقات العامة، ولأن هذا الربط ثانيا لن يكون جديا إلا بالقدر الذي يعني فيه تثبيتا وتعزيزا لرؤياها في التصدي لـ "صدام" خاصتها. ومن ناحيتها، فان الحرب في العراق تفتح آفاقا جديدة لاعادة ترتيب الاوراق في المنطقة وفقا لمصالحها ولرؤياها.
وطالما كان الربط الامريكي بين القضيتين محصور باشتراطات أمريكا واسرائيل لقيام الدولة الفلسطينية، من حيث وقف العنف والاصلاحات وتغيير القيادة، فانه لا يوجد لدى اسرائيل ما تخشاه على الاطلاق. وهي ستحرص على ان تجعل ذلك مستحيلا. وهذا أمر في غاية السهولة. إذ يكفي من جهتها وحتى دون مبرر ملحوظ ان تقوم بعدة تصفيات أو مداهمات بحجة مكافحة "الارهاب" حتى يصبح وقف العنف مستحيلا. كما ان الاصلاحات ذاتها يمكن دوما الطعن في صلاحيتها وكمالها ودقتها والخ. الخ.
أما موضوع القيادة الفلسطينية، فهو الاكثر تعقيدا. فاسرائيل لم تحسم بعد ماذا تريده وما هي بالضبط مصلحتها في هذا الموضوع. حتى الان لم تصفي اسرائيل القيادة الفلسطينية الرسمية لانها وجدت ان في مصلحتها وجود مشجب تعلق عليه مسؤولية التدهور الامني وعدم السير قدما في المسيرة السلمية. أما في سياق الحرب فقد يشجع تصفية الامريكيين للقيادة العراقية اسرائيل على تصفيتهم هم للقيادة الفلسطينية. فعندها لا يعود ضروريا عنوان للمسؤولية في الطرف الفلسطيني، حيث أن هذا العنوان اذا بقي على حاله حتى نهاية الحرب فقد يكون عنوانا للمفاوضات والمسؤولية في الدولة الفلسطينية الموعودة، اوالتي قد تنتج عن المفاوضات . وهو أمر لا تريده اسرائيل حتى لو تلفظت به. وهي مستعدة لان تتخذ، بل وهي تتخذ فعلا كل الاجراءات التي تجعل أمره مستحيلا.
وعليه فانه ليس الربط الامريكي بين الحرب في العراق واقامة الدولة الفلسطينية مجرد وهم توازن في السياسة الامريكية، بل انه ايحاء لاسرائيل بالافادة منذ الان من هذا الربط كي تمهد التربة لان تصيغ هذه الدولة الفلسطينية وفقا لرؤيتها.
*كاتب وصحافي فلسطيني، مدير مكتب "المصدر" للشؤون الإسرائيلية.