لا بد من فهم حالة التخبط السياسي العربي القائمة، فهي ليست صورة شعرية للتعاسة، ولا هي قدر مكتوب. لا الانظمة العربية قادرة على التعامل كجسم واحد مع التحديات الجديدة التي تطرحها الادارة الامريكية والوضع الدولي والمرحلة التاريخية عموما من العولمة الاقتصادية والثقافية وحتى ممارسات اسرائيل الاجرامية المتزايدة في اي حي في غزة او نابلس. ولا توجد معارضة عربية ذات مشروع بديل في حالة توثب للوصول الى السلطة وادارة البلاد بشكل مختلف، كما لا تتوفر قوى سياسية واجتماعية اصلاحية حقيقية ومنظمة ترغب بالتفاهم مع الانظمة على خطط اصلاح تدريجي محكومة بهدف متفق عليه، ولذلك تبقى حتى مبادرات الاصلاح بيد الانظمة، كرد على تذمر مكبوت يهدد بالانفجار او كمعالجة متأخرة لانتفاضات شعبية حقيقية ما تلبث ان تهدأ في غياب مشروع او برنامج، او نتيجة لتغير في الاجيال والامزجة الثقافية و السياسية بتغير الافراد الحاكمين. ومؤخرا تبرز محاولات لاصلاح بالحد الادنى كرد على تحديات تطرحها اسرائيل والولايات المتحدة بسياساتها مستفزة الشعوب العربية ضد "الحالة العربية".
ومن مظاهر تعاسة الحالة ان الرد عليها يأتي على صورة شتائم وصراخ وبكائيات هجائية الطابع. وحالة الندب والرثاء للحال المنتشرة والمهيمنة على مزاج "الشارع" منذ عام 67 مع انقطاعات طفيفة من الامل الغيبي بالخلاص، وبظهور المنقذ المخلص، هي جزء لا يتجزأ من حالة التخبط، وسرعان ما تتحول الى احد اسبابها. فمن لديه بديل ويعمل على تحقيقه بناء على برنامج لا يندب. لقد تحولت البكائيات الى حضارة او ثقافة ومدرسة شعرية، ومؤخرا مدرسة في الظهور التلفزيوني يبدأ صاحبها بشتم العرب والحالة العربية رافضا بشكل مقصود اي تمييز بين المواقف العربية، مرورا بتسخيف اي كلام او اي تصريح كمجرد كلام، الا كلامه او تصريحاته فهي عمل وليس مجرد كلام. ثم ينتهي الى اعفاء نفسه من طرح اي بديل او من الدفاع عن بديل والتحزب لبديل يطرحه غيره. فهذا ليس وظيفته. وتعفي هذه المدرسة ذاتها من تحديد المنطلق القيمي، معتبرة اننا جميعا متفقون على الشتم ولو كنا غير متفقين على الهدف. ونحن لم نعد نعرف هل الشاتم النادب الهجّاء مع الحل الامريكي (لكي يتفضل ويشرح لنا ما هو؟) ام مع "الحل الاسلامي"( وبعد طالبان والسودان وايران والمملكة العربية السعودية وغيرها من النماذج ، الله اعلم ما هو؟ هل هذا حل ام حلول؟ واذا كانت حلولا فلأي قضايا؟) و"نحن" في كثير من الحالات لا نعرف هل الداعية النداب مأجور من نظام عربي ضد آخر بحيث يهجو كافة الانظمة الا احدها، ام انه متضامن مع كل الانظمة العربية التي ربما لا تفهم مصلحتها برأيه ولا تدرك انها مستهدفة بعد العراق مثلا، وصاحبنا حريص على مصلحتها ينهاها عن طريق يضر بمصالحها؟ لا نعلم.
نحن ببساطة لا نعلم. ولذلك من الافضل ان نفكك هذه المدرسة الهجائية للحظة والا نستمع الى اي هجاء يقال للحالة العربية ويفش الخلق اذا لم نتفق مع القائل حول منطلقاته القيمية وما يسعى اليه.
و"نحن" غير متفقين حول ما يجب ان تكون عليه حال الامة العربية بشكل عام لكي نتفق علام تكون عليه حالها بعد العدوان على العراق مثلا. الحالة سوف تتغير جذريا، هذا واضح. ولكن هذه هو الامر الوحيد الواضح. لماذا؟ لانه فيما عدا الولايات المتحدة واسرائيل لا توجد قوة واحدة منظمة ذات اجندة وتصور لمستقبل هذه الامة وتعمل على اساسه. العدوان الامريكي سيغير النظام العراقي، ولكن هل تسمح الولايات المتحدة لذاتها باقامة ديموقراطية فعلية في العراق، او هل تسمح لقوى عراقية ان تقوم بذلك، ومن هي هذه القوى الديموقراطية العراقية وما هو برنامجها؟ لو قام في العراق نظام ديموقراطي بمعنى حكم الاغلبية دون الحقوق اللبرالية المعروفة في الغرب وقبل انتشار الثقافة الديموقراطية، فان علاقاته مع ايران سوف تكون وطيدة دون شك، فهل تسمح الولايات المتحدة بذلك؟ اي نظام شبه ديموقراطي في العراق لا بد ان يسمح بحكم ذاتي موسع للاكراد. هل تسمح تركيا بذلك؟
والاهم من ذلك كله، كيف نناقش ماذا نفعل بدل ان ننتظر ما ينتظرنا دون ان نناقش اولا من "نحن" ،اي بكلمات اخرى، من الذي ينتظر والى ماذا يتطلع اصلا؟ والام تتطلع هذه ال"نحن" خلافا لغيرها. "نحن العرب"، هذه مقولة قد تتبعها عدة مشاريع واجندات، منها اجندة قومية مثلا تؤمن اصلا بوجود "نحن" عربية وتنطلق منها، ولكن ما هو مشروعها؟ هنالك بقايا تصورات ومشاريع تتغذى على احلام قديمة رومانسية. ولا توجد محاولة جدية منظمة على مستوى النشاط السياسي تطرح تصورا للمستقبل العربي كما يجب ان يكون مع طرح الادوات اللازمة للنضال من اجل هذا الهدف، وذلك من خلال ممارسته. ويفترض منطلق التطلع لما هو افضل على مستوى حياة وسعادة وحرية الانسان العربي وحقه بتحقيق سعادته، مثلا، مشروعا سياسيا مختلفا لتحقيق التعاون او التكامل العربي يطرح اجندة ديموقراطية. والتحدي لا يكمن في طرحها بالوعظ والتبشير، ناهيك عن الهجاء، بل بتنظيم قوى سياسية قادرة على النضال من اجل ذلك وعلى طرح تصور لادارة بديلة للمجتمع تبدأ باقتصاديات الدولة ومصادر دخلها وسياساتها الاجتماعية ونهاية بنظام الحكم فيها، او العكس. هذا هو التحدي، هنا رودس هنا اقفز!!hic Rhodus, hic salta (*).
في هذه الاثناء كل ما يستحق ان يسمى بديلا سياسيا غير مطروح اطلاقا كبرنامج سياسي لقوى سياسية تطرح بديلا على مستوى الحكم. والانظمة في افضل الحالات صاحبة مشروع في الحفاظ على النظام على الاقل وادارة الدولة والمجتمع بما يتفق وتصورها لمصلحة النظام، الا وهي مصلحة المجتمع في نظرها.
لا شك بوجود حركة شعبية عربية قوية معادية للحرب، كما انه لا شك بوجود حركة حقوق انسان اهلية وبوجود فئات متنورة متوسعة باستمرار مع ارتفاع مستوى التعليم وازدياد عدد المتعلمين، ولكن المظاهرات التي لا يحركها مشروع سياسي تضطر الانظمة الى اخذ المزاج الشعبي بعين الاعتبار والى صياغة مواقفها بشكل مختلف ولكن لا تؤثر فعليا على عملية صنع القرار.
ولكن كل ماعدا ذلك هو هجائيات لا نعرف مصدرها ولا هدفها، واصحابها لا يدركون ربما ان النفس قد عافت هذه المدرسة كما عافت الانظمة القائمة والوضع العربي الذي يفرز مدرسة الشتائم كما يفرز المدارس الغيبية والديماغوغيا القومية التي تسخر مدرسة الشتائم منها، نفس العقلية المحبطة واليائسة الميئسة من كل شيء الا من الكلام والظهور. لقد اصبح هذا النوع من النقد اجهاضا لبديل سياسي منظم في اي قطر عربي يطرح اجندة مختلفة تنطلق من قيم متنورة وقائمة على تصور وقدرة فعلية على ادارة مجتمعات واتخاذ قرار سياسي. كل ما عدا ذلك كلام. دورة كلام لا يذكر اطلاقا بمزاج تنويري يؤمن بالكلمة من نمط "دور يا كلام على كيفك دور، خلي بلدنا تعوم في النور. ارمي الكلمة في بحر الظلمة...."، فكلما ازداد هذا النمط من الكلام ازداد الظلام حلكة.
(*) قالها الاقدمون عمن تفاخر انه ذات مرة في رودس قفز قفزة عظيمة فاجابه خلانه متحدين: هنا رودس هنا اقفز! الآن ارنا ما تستطيع، هذا هو التحدي.(حكمة لاتينية)