المتتبع للأحـداث بدقة ، وقارئ التاريخ بشكل جيد يرى أن إسرائيل على أعتاب مرحلة جديدة من تهجير الفلسطينيين عن ديارهم ، لا بل بدأت بالفعل تنفذ موجة جديدة من التهجير ، ولكن معطيات الوضع تتطلب البحث عن طرق جديدة للتهجير ، فإذا كانت مرحلة الإبادة الجماعية ، وتدمير القرى والمدن ، وقطع الخدمات عنها ، وتحميل المهجرين في شاحنات والإلقاء بهم في مناطق بعيدة جياع وعطشى ومشردين بلا مأوى ، وإذا كانت مرحلة الإشاعة والحرب النفسية قد ولت إلى غير رجعة ، فإننا الآن ندخل مرحلة جديدة ، ليست بعيدة عن المرحلة الأولى ، ولكنها تطبق بتقنيات جديدة ، وأساليب أخرى ، أحدث من الأساليب السابقة .
والمتتبع لفشل المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية في كامب ديفيد الثانية ، وبعد فشل كل محاولات الهيمنة والاحتواء ، والقبول بالأمر الواقع ، وسقوط نظرية المناطق المدارة من قبل العرب أنفسهم في إطار التخلص من أعبائهم اليومية ، وعدم المراهنة على قيادة فلسطينية تقبل بالشروط الإسرائيلية ، وتمسك القيادة الفلسطينية بالثوابت الفلسطينية التي لا يمكن لأي شخص أن يساوم عليها ،وجدت إسرائيل أن سقف المطالب الفلسطينية أكبر مما تتصور ، وأن الفلسطينيين يتطلعون إلى دولة ذات سيادة ضمن حدود معترف بها ، وحل كافة الأمور العالقة بين الطرفين على أساس من الشرعية الدولية ، بدأت القيادة الإسرائيلية تفكر بجدية في القضاء على الحلم الفلسطيني ، وتدمير الوجود العربي الذي يشكل خطرا على وجودهم وذلك حسب تصوراتهم .
إن مراقبة شريط الصراع العربي الإسرائيلي في فلسطين وتحديدا منذ مرحلة ما قبل النكبة والمجازر المرتكبة ضد المدنين في دير ياسين والدوايمة وأبو شوشة وسعسع ، وغيرها من المجازر ... مرورا بمجزرة الحرم ومخيم جنين ومجزرة رفح يدرك أن هذا المارد المتعطش للدماء لن يقف عند هذا الحد ... ففي الطريق مجازر ومجازر ... وقتل و اجتياح ... وتشريد وحواجز ومعاناة في كل يوم ... فهل يتوقف هذا الطوفان .
إنه نوع جديد من التهجير ، ولكنه يطبق دون ضجة إعلامية ، وعلى مراحل ... يطبق ضمن مرحلة طويلة ، فإسرائيل ليست في عجلة من أمرها ، لقد كانت متعجلة في الماضي على إقامة الدولة ، وكانت تخطط لمواجهة الجيوش العربية ، أما اليوم فلم يبق في الميدان سوى الفلسطينيين ، ويبدو أن الأجواء مهيأة لتطبيق سياسة التهجير على المدى الطويل ، وبات من الضروري خلق حالة من الفوضى والإرباك ، وتولد حالة من اليأس في النفوس في محاولة لدفعهم نحو الهجرة .
إنها تقتل اليوم وتدمر في رفح وجنين ، وتعدم الحياة في نابلس ، وتحطم كل شئ في الخليل ... إنها تضع الفلسطينيين في سجون صغيرة حتى نستسلم للأمر الواقع ... ولا زال في جعبة مخططيها الكثير والكثير من الأساليب اللاإنسانية التي لا تتفق وقواعد القانون الدولي .
وإذا كان ما فعلته في السابق يعد انتهاكا لكافة قواعد الشرعية الدولية ، واعتداء على الإنسانية في ظل صمن العالم أجمع ،فإن ما تفعله اليوم أيضا يعد انتهاكا لكل الأعراف السماوية والأرضية وفي ظل صمت عالمي مطبق
لقد آن لنا أن ندرك الآن ما يخطط له العدو ،وأن نكون على حجم التحدي والثبات مع الوعي بمخططات العدو وأهدافها ،بحيث يكون ذلك هاديا لنا في رسم استراتيجية الصراع مع العدو ،إن الانتباه لهذه المخططات والوقوف في وجهها ، ضروري وهام للخروج بأقل الخسائر في هذه المرحلة ،في وقت لم يبق لنا سوى الاعتماد على عزيمتنا للوقوف في وجه هذا التحدي المدمر .