قد يتفق البعض او يختلف حول مدى فائدة، اخلاقية او تأثير العمليات الاستشهادية. ولكن ما قد يتفق عليه الجميع انه عندما يصمم الانسان الفرد ان يستخدم جسده فهذا الجسد يصبح قوة ليطبق ما يردده البعض "معادلة اللحم في مواجهة الحديد". مشكلة اللحم في مواجهة الحديد انها معادلة فردية لا تستطيع جماعة أو شعب بأكمله ان ينفذها، كما أنها تترك المجموع في دور المشاهد للمشهد الفردي. اذا لاحظنا ما يحدث حولنا في العالم خاصة ما حدث في بوليفيا في الاسابيع الاخيرة، والذي لم يتوقف عنده كثيرا الاعلام العربي بما فيه محطة الجزيرة، حيث اجبر الشعب بصدره العاري الحكومة على التخلي عن الحكم والهرب من البلاد. نفس الامر يحدث الان في جورجيا والتي لم تتوقف المظاهرات الصاخبة عن الاحاطة بمقر البرلمان والحكومة لاجبار شيفارنادزة على التخلي عن الحكم بعد أن اتهم بتزير الانتخابات. هذه الامثلة للقول ان للشعب قوة، قوة الاجساد المتراصة التي لها هدف وتنظم لتحقيقه.
اذا نظرنا الى واقعنا نجد اننا اكثر ما نحتاج لهذه المعادلة. قد يقول البعض ان هذا ما يطبق الان بالنسبة لجدار الفصل العنصرى حيث ينظم البعض المظاهرات المنددة بوجوده. هذا جيد ولكن لا يحقق معادلة "اللحم في مواجهة الحديد". ان ما يطبق في امريكا اللاتينية حاليا وايضا في جورجيا، والذي نظر له كثيرا العديد من علماء الاجتماع والمثقفين، هو ما يطلق عليه المقاومة بالجموع وهو ما يعني ان العدد له الدور الحاسم في تحقيق الهدف وليس التنديد بالفعل. المظاهرات التي تطلق في مواجهة الحائط يجب أن تنظم الالاف، عشرات او مئات الالاف وتعمل على منع امتداده باجسادها. قد يقول البعض ان دموية الجيش الاسرائيلي والمستوطنين تمنع مثل هذا الحشد نظرا لاستخدام القوة المفرطة. النقطة هنا هي ان "المقاومة بالجموع" هدفها الاساسي منع استخدام القوة المفرطة، لانه لا يمكن قتل الالاف او استهدافهم (ومن هنا الاصرار الاسرائيلي في الكذب بأن الطيار الذي اطلق على الجموع في غزة لم يرى على شاشته اية جموع). هذه الاستراتيجية تتطلب درجة عالية من الوعي، الانضباط والتنظيم والدعم. النقطة المتعلقة بالدعم لا يوجد افضل منها عالميا حاليا. فالشركات التي وظفها شارون لتحسين وجه سياسته القبيحة، اثببت فشلها ونتيجة الاستفتاء الاوروبي الاخير دليل على ذلك. الامم المتحدة بدأت تكون اكثر وضوحا في رسائلها عن الصراع مع اسرائيل والدعم الشعبي الذي تتمتع به القضية الفلسطينية عالميا يدعم تحرك شعبي كبير لوقف هذا الجدار.
ان معادلة "اللحم في مواجهة الحديد" لا يجب أن تعني الشعب فقط باطره المنظمة له سواء احزابه او مؤسساته المدنية ولكن يجب ان تعني السلطة الفلسطينية ايضا. كتب الكثير من المقالات التي تشرح وتفسر سبب سقوط حكومة ابو مازن السابقة، ويتكهن البعض بمصير الحكومة الحالية. اذا رهنت الحكومة الحالية، مثلما رهنت السابقة، مصيرها بمصير "حسن النوايا الاسرائيلية والامريكية" ولم ترى ان لا سبيل امامها الا "عملية التفاوض او عملية السلام" لا اعتقد ان سيكون لها امكانية للبناء على التضحيات الهائلة التي قدمها الشعب حتى الان. ما الذي يمنع الحكومات المتعاقبة ان تأخذ "طريق السلام" وتقاوم بالجموع في نفس الوقت. ما الذي يمنع المسؤولين ان يكونوا على رأس مظاهرات الجموع بهدف واحد هو منع بناء الحائط او منع تمدد المستوطنات. ان سبل الحياة الطبيعية معطلة للشعب الفلسطيني بكل قطاعاته، ما الذي يمنع ان تحدد ايام، اسابيع لحشد كل الجموع للاحاطة بمستوطنة لمنع تمددها او مصادرة اراضيها. وما الذي يمنع الالاف من الوقوف بين الجرافات الاسرائيلية والبيوت المستهدفة بالهدم في رفح، او جنين، او نابلس القديمة. اذا وقف فرد (مثل راشيل كوري) قد تهرسه الجرافات والدبابات ولكنها لن تهرس الالاف. ما يلزم هو الارادة، التخطيط، التنظيم وطلب الدعم. ستقتل الدبابات الاسرائيلية عشرات أو ربما مئات ولكنها لن تستطيع قتل كل الشعب، وهنا تكمن أهمية معادلة اللحم في مواجهة الحديد.