ليس منذ اليوم، بل منذ زمن بعيد يكاد يعود الى السنة الاولى من الانتفاضة كان واضحا أن صراع الجبابرة الذي يدور في هذه البلاد الحزينة بين اليهود والفلسطينيين لن يؤدي ، مهما غلت الضحايا في الجهتين الى نفي واحد للطرف الآخر. ولعله أكثر من هذا أيضا، حيث أن أيا من الطرفين ليس فقط لن ينتهي من ساحة الوجود بل وان شوكته لن تنكسر تحت ضغط ضربات الطرف الاخر. كل طرف يعزز تحت الضرب قواه ومعتقداته وعدالة طريقه.

يكاد يكون واضحا منذ بداية الانتفاضة ان عبارة "لا يفهمون الا لغة القوة" ، والتي بالمناسبة تدور عندنا بقدر ما تدور عندهم، قد اصطدمت بالجدار. فاذا قلنا للفلسطيني ان اليهود يعتقدون اننا لا نفهم سوى لغة القوة العسكرية وانه اذا ما ضربونا أكثر فأكثر فاننا سننهار وسنستسلم، فانه سيضحك استخفافا واستنكارا. وبذات القدر فان أغلب اليهود، ان لم يكن جميعهم، سيستهجنون ويستنكرون ما يعتقده الكثيرون منا من اننا اذا ما واصلنا ضربهم، فانهم سيشدون الرحال وينهزمون.

سادت في الاونة الاخيرة تفاعلات في المجتمع الاسرائيلي حول عشوائية وتعسف وظلم الهجمات والغارات الاسرائيلية التي يقع الابرياء ضحتيت لها . وبالمناسبة من منا ليس بريئا، إذ لا يمكن ان نستظلم المحبوس والمضطهد والمقيد والمظلوم حين يستنفر مقاوما او محتجا صارخا او متظلما يشكو ربه ويرجو معونته. وهذه التفاعلات سرعان ما تهدأ ما أن يأتي الرد الفلسطيني في شكل عملية، ولا سيما اذا كانت هذه العملية تقع بحق مدنيين أبرياء في المقاهي والمطاعم والباصات والشوارع.

وبعد كل ضربة اسرائيلية ضدنا حين تقع الضحايا في صفوفنا، والاغلبية الساحقة منها من المدنيين، فاننا سرعان ما نتوعد ونتهدد مقدمين لعدونا مسلك الفرار من جريمته، اذ يؤكد لنفسه وللعالم ان ما يفعله ليس سوى دفاعا عن النفس وأنه في الخيار بين ان تبكي امهات فلسطينية، وامهات اسرائيلية، فان اختياره لاهون الشرين مفهوم ومقبول بشريعة البشر.

نجد الاعلام الاسرائيلي حتى عندما يكون قتلاه من الجنود، لا يعترف بشرعية كفاحنا المسلح ضد جنود الرمز للاحتلال والعدوان، نجده يبحث فيعثر على ما تيسر من مداخل كي ينزع الشرعية حتى عن مثل هذه العمليات. فالمجندتان من معسكر نتساريم "قتلتا وهما في الفراش"، اي انه يريد القول انهما بريئتان رغم كونهما مجندتين تمثلان الاحتلال الوحشي والعدوان الغاشم بحق الفلسطينيين في القطاع.

أما نحن فحتى قبل ان نحصي ضحايانا بعد قصف تعسفي أعمى لحي سكني مكتظ، فاننا نبحث بين اسماء الضحايا والجرحى عمن هم على صلة، وان كانت بحدودها الدنيا، العاطفة او المتماثلة، مع تنظيم من التنظيمات، وذلك لنقول ان الهجمة كانت لاغتيال فلانا اوعلانا من كذا أو كذا تنظيم، مانحين عدونا مبررا لعدوانه وتبرئة لساحته مما في هجماته من عشوائية وتعسف وقتل هو اقرب الى جرائم الحرب منه الى اي شيء آخر. فلو أمسكنا لا سمح الله بقنبلة والقيناها في أي حي فلسطيني مكتظ او شارع فلسطيني ناشط، فلا بد ان الجرحى والقتلى سيكونون من العاطفين والمتماثلين والمحبين لاحد أو اكثر من التنظيمات الفلسطينية المكافحة.

منذ بداية الانتفاضة ونحن نقول انه لا يجب على الاطلاق تشويش الصورة الحقيقية لواقع الصراع في هذه البلاد. فنحن الضحية وهم العدوان. وكلما اتضحت هذه الصورة، اقتربت اللحظة التي ينكشف فيها امر العدوان واحتدمت ازمته. فالنصر في صراع كهذا يتم اولا في الساحة الاخلاقية، ومن ثم في الساحة السياسية والاعلامية، ساحة شرعية الكفاح والشرعية الدولية في حماية الضحية من العدوان. وبعد ذلك يأتي الاحتدام الداخلي في صفوف الخصم حيث يتبين لمزيد فمزيد من اوساطه انعدام الشرعية والقانونية الدولية في صراعهم وفي الاساليب والوسائل التي يستخدمونها ويتفتت داخليا فيضطر الى التنازل السياسي بما فيه من انسحاب عسكري واعتراف بالطرف المقابل والاستعداد للتفاوض معه والاقتراب من رضاه دفعا للضغط الدولي الاخلاقي والسياسي وربما الاقتصادي والعسكري اذا واصل تماديه.

هذا ما حصل في واقع الامر في الانتفاضة الاولى. واذا ما لاحظنا انجازات الانتفاضة الاولى فاننا نجد ان هذه الانجازات على علاقة عكسية مع مدى قوتها. فقد استطاع الفلسطينيون في الاشهر والعامين الاولين على الاقل من الانتفاضة الاولى ان يحولوا قوة العدو الى ضعف، وان يستندوا الى ضعفه كي يتغلبوا على هذه القوة.

ان معادلة قادة اسرائيل اللا انسانية حسب رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في اسرائيل اهرون زئيفي فركش ، في أنه خير ان تبكي الامهات الفلسطينيات، على ان تبكي الامهات الاسرائيليات، هي معادلة مجنونة في أقل تقدير، ولكنها مجرمة بالتأكيد، اذ لا مقارنة بين الدم والدم ولا مقارنة بين الدمع والدمع. فمن قال ان دفع الامهات الفلسطينينات الى البكاء على ابنائهن يمنع بكاء الامهات الاسرائيليات على ابنائهن؟ فهذا يغذي ذاك وذاك يستمد من هذا.

اذا كان لا بد لنا من ان ننتصر، ونحن الضعفاء، والذين لا تتوفر الفرص لتصاعد قوتنا في المدى المنظور، وان نلحق الهزيمة بعدونا، فانه لا بد اساسا من الاستناد الى ضعفنا وبرائتنا ومشروعية كفاحنا وتحملنا مصاعبنا وضحايانا كي ننزع شرعية الاحتلال والعدوان ونجبره على الاستسلام والاذعان لما لا يمكن هزمه: قيمة الانسان وحقه في الحياة الحرة الكريمة، الآمنة والبريئة.