الضفة الغربية في نهاية حزيران من العام الحالي ستكون محاطة بسور هو آخر ما تفتقت عنه ذهنية المحتل، وسيعزز هذا السور بأجهزة رقابة وردع تتلاءم والتطور التكنولوجي للعصر، سور تعددت توصيفاته، عازل، فاصل، عنصري، استيطاني... الى آخر ما تفتقت عنه المخيلة العربية من مفردات على مدار عقود الاستعمار والتبعية والسيطرة.
واذا تجاوزنا الحديث بالمدلولات الرقمية للاشياء من حيث الكيلومترات من الاراضي المصادرة والحقول المجرفة ولترات المياه المنهوبة وأعداد الاشجار المقلوعة، فان الوجه الآخر للحقيقة يظهر البعد الانساني لسكان حرموا حق الحياة بكرامة وحرية الحركة وكل ما يتشدق به العالم المعاصر في زمن "الحرية والتحرر"، أناس يفصلهم سور وبوابات تفتح وتغلق بمواقيت الاحتلال عن حقولهم ومصادر عيشهم وأصدقائهم وأسباب الفرح الانساني النبيل.
بوابات ستريح الجنود من التواجد على مدار الاحتلال بمواجهة الضحية، وربما تخفف من عبء التصاق صورة المحتل بجنوده في أذهان العالم، هذا في أحسن أحوال تفسير نوايا الدولة العبرية، أما اذا ما اعتمدنا سوء النوايا فانه الوسيلة العصرية لفصل الشعب عن حلمه بالدولة التي أوسعنا السيد بوش حديثا عنها بما يشبه حملا كاذبا لا موعدا لمخاضه.
واذا كان من الترف في ظل ظروف صعبة كهذه نعيشها جميعا الفصل بين الرجل والمرأة في المعاناة والنضال، فان المؤمنين باختلاف المرأة وخصوصيتها لابد وأن يستشعروا المعاناة المزدوجة لنساء يعشن المأساة مرتين، في الاولى كونهن نساء في عالم ذكوري، والمرة الثانية كونهن يعشن تحت الاحتلال.
فاذا كان وصول الرجل الى موقع عمله في غاية الصعوبة اذا ما وصل بعيد اغلاق البوابة بثوان قليلة، لنا أن نتخيل سيدة في المخاض يفصلها عن موعد أمومتها المرتجاة وعن وليدها الحلم، جندي يلتزم بدقة المواعيد.
وهذه ليست كل الحكاية، فالنساء هنا لا يؤدين دورهن التقليدي وحده، فهن يشاركن الرجل في اعالة الاسرة والعمل في الحقل، واذا ما تسنى لهن حرية الحركة فان الاهل والاصدقاء والتسوق هم وجهة جيدة لممارسة فضيلة الحياة العادية، وفي الحالة الراهنة حيث السور يفصلهن عن أسباب الحياة الطبيعية فان المجازفة تصبح غير ذات بال.
واذا كانت النساء في السنوات الثلاث السابقة قد تراجع اسهامهن المباشر في حالة النضال الوطني مع تعاظم الدور الذكوري المسلح، فانهن بادرن الى الاحتجاج على بناء السور على أراضيهن بالطرق السلمية، حيث نظمن أنفسهن في مجموعات ولجان في مخلتف قرى ومدن شمال الضفة الغربية، ليخرجن في مسيرات واعتصامات على أعتاب السور وبواباته الحديدية، خرجن بالمئات وبدعم من نساء من مختلف أنحاء العالم عبرن عن تضامنهن مع نساء فلسطين واسرائيليات يخشين على أبنائهن أحقاد أجيال ستعيش حالة من الفصل العنصري أرادها المحتل أن تقام على أراضي الغير.
دعت النساء في مسحة وقلقيلية وسلفيت وغيرها العالم الى احياء التاسع من نوفمبر القادم كيوم لمناهضة الجدار العازل، في ذلك اليوم ذات زمن أقيم جدار برلين، وفي أيام شبيهة يذهب الجميع بمن فيهم النساء الى حقول الزيتون لجمع محاصيل العمر في فصول تعاقب الاجيال على فلاحتها وجنيها وترديد الاهازيج المهللة بقدومها وانقضائها، رغم أنف الاحتلال والاستعمار ببواباته الحديدية وذهنيته المواكبة للتطور التكنولوجي في مجال التسلح والتي لم تستطع مواكبة فصول ارتباط الانسان بأرضه ومحصوله وحلمه.