مهمة الجنرال غيولا أيلاند، رئيس الطاقم المكلف، بوضع خطة إخلاء قطاع غزة من المستوطنات، بدت عسيرة ومربِكة، منذ اليوم الأول. فالمصادر العسكرية الإسرائيلية نفسها، تتحدث عن بداية تخبّط في الخيارات: هل يرحل جيش الاحتلال، عما يسميه الجنرالات محور فيلاديلفيا الذي هو خط الحدود الفاصل بين قطاع غزة ومصر، أم يبقي فيه؟! هل يرحلون عن ثلاث مستوطنات، شمال غزة، أم يبقون فيها، بحكم أنها لا تقطع أية مسافة، وسط أراضي القطاع، ولا تقطع تواصله الجغرافي؟! وعند النظر في الخيارين، أو في الجوابين عن السؤالين (هل يرحلون أو هل يبقون) يُطل معنيان، كلٌ منهما ـ بالنسبة لهم ـ أسوأ من الآخر: التكرار الفلسطيني، للزهو باندحار الاحتلال، وللحديث عن حلقة من النصر، أو التكرار الإسرائيلي، لخازوق مزارع شبعا، الذي سيمثله التواجد المتبقي للاحتلال، في مستوطنات غزة، وهو ـ علي أي حال ـ سيكون أكثر التهاباً، بسبب استمرار المعركة علي الأرض، وعلي الاستقلال، في الضفة، التي هي معظم الدولة الفلسطينية، والتي هي قلبها، ورئتاها، وبطنها، وحوضها!
المصادر الإسرائيلية، التي تحدثت عن التخبط، كانت تقصد وجود ارتباك في تحديد الخيارات. لكنها ـ يقيناً ـ لم تلتفت الي اللخبطة الفاضحة، في اللغة المتداولة، عند البدء في وضع الخطة. فالجنرال آيلاند، نفسه، يطرح اقتراحاً بإبقاء ما يسمونه محور فيلاديلفيا بأيدي جيش الاحتلال مقابل التنازل عن المستوطنات الثلاث، في شمالي قطاع غزة .
عجيبون هؤلاء. ففي الوقت الذي يضعون فيه خطة الفصل الأحادي، بدون سين أو جيم، وبدون اكتراث لوجود الطرف الفلسطيني، تسمعهم يتحدثون عن مقايضه. وكيف تكون المقايضة، بدون مفاوضات؟! وفي الوقت الذي يرسمون فيه خطة الإخلاء، يتحدثون عن مستوطنات شمالي القطاع، بمنطق التنازل. أي كأنهم يتحدثون عن حق لهم، في دوغيت في اللحظة نفسها، التي يقررون فيها، أن لا حق لهم في نتساريم وغيرها. فبأي معيار يحكمون، غير المعيار الأمني، الذي لا يعترف للسياسة، ولا للقانون الدولي، بأية صلاحية أو بأي احترام؟! كأننا قلنا لهم، اخرجوا من غزة لوحدها، لكي يقايضوا مساحات في شمالها، بمساحات من جنوبها. وعندما يقتربون من السياسة، ضمناً، من خلال الحديث عن المقايضة، تراهم لا يعترفون لا بالسلام مع مصر، ولا بوجود طرف فلسطيني، يمكن أن يتفق معهم علي الأمن، مقابل الجلاء عن كل الأراضي المحتلة، في العام 1967. لذا فإن مقتضيات الأمن، عندهم، هي التي تستدعي السياسة، وليست السياسة، هي التي تستدعي الأمن، مثلما هي طبائع الأمور. فقد أرادوها، منذ البداية، تسوية أمنية، لا تُقر لنا، بالحق في الاستقلال وفي الحرية، في جميع الأراضي المحتلة، وفق قرارات الشرعية الدولية!
الوزير الشاروني، جدعون عزرا، يتساءل: هل مصر معنية بمحور مفتوح، بينها وبين غزة؟ ويجيب بنفسه: لست متأكداً بأن مصر معنية، بخروج متطرفين مسلمين، من أراضيها الي غزة! كلام سافل، يحاول التشكيك في صدقية التوجه المصري، لإنهاء الصراع، مثلما يحاول اختصار العامل المصري، في الموضوع، بجزئية مفترضة، أو وهمية، هي خروج متطرفين منها، الي غزة. وكأننا نعالج قضية متطرفين مسلمين، لا قضية التسوية والاستقرار في المنطقة، وكأن هناك متطرفين مصريين مسلمين، يزحفون للالتحاق بالجيش الفلسطيني، أو بالأجنحة العسكرية الفصائلية، أو كأن هناك مشكلة، في هذا السياق!
الواحد من هؤلاء الجنرالات، يلاعب نفسه، طاولة النرد (الزهر) يأخذ الحجارة السوداء، ويعطي للشيطان، الحجارة البيضاء، فيرمي النرد، مرة لنفسه، ليحرك حجارته، ومرة للشيطان، ليحركها نيابة عنه، بما لا يدع مجالاً لاعتراض الشيطان نفسه، لكنه في كل مرة، يريد أن يكون هو الفائز!
الجنرالات يقبلون بالتخبط وبارتباك الخيارات، ولا يرضون بأخذ الأمور من قصيرها: لا شيء سيتغير، إن أخليت غزة، وبقيت الضفة عُرضة للاستيطان، ومزدحمة بالمستوطنين. لا تهدئة، ولا يملك أحد، أن يعترض علي المقاومة، أو أن يقاومها، طالما بقي الاحتلال. ولا شيء سيتغيّر، إن تحولت غزة، الي غيتو فلسطيني، بلا حدود وبلا معبر. ولا شيء سيتغيّر، إن بقي المستوطنون ـ مع جيشهم النظامي ـ في شمال غزة، وبقي الشريط الفاصل في جنوبي القطاع، تحت الاحتلال. فإن أخليت معظم مستوطنات غزة، سنمارس حقنا، في الحديث عن نصر جزئي، لكن شبعا اللبنانية، لن تكون شيئاً بالنسبة للأراضي الفلسطينية، التي ستكون ما تزال رازحة، تحت الاحتلال. وبمقدروهم الإجابة عن أسئلتهم، بنعم ولا، في آن واحد: نعم سنفاخر باندحار الاحتلال، عندما يندحر عن أي جزء. ولا، لن نستسلم لبقاء الاحتلال، في أي جزء من أرضنا. ولا حل إلا بالجلوس للحديث عن الجلاء الشامل، مقابل التسوية الممكنة، بغير لف أو دوران!
عن: "القدس العربي"