"شاهد على المستقبل" كتاب صادر عن معهد الإعلام في جامعة بير زيت ، بتمويل مؤسسة "تمكين" لتعزيز الديمقراطية والمجتمع المدني ، وهو مشروع يندرج ضمن سلسلة مشاريع أل usaid للإصلاح. يتضمن الكتاب "50" مقابلة إذاعية مع قادة سياسيين ومفكرين ومختصين، واراء سريعة مختصرة لـ 300 من المواطنين وبعض المهتمين. تقول مقدمة الكتاب: إن الفريق الإعلامي حدد كل الموضوعات وأعد أوراق البحث واختار الشخصيات المهمة . وكان الهدف من وراء هذا المشروع كما تقول المقدمة: هو تنوير إمكانات المستقبل ووضع المستمع والقارئ في صورة الواقع وتلخيص التفكير الذي يدور في فلسطين .
بادئ ذي بدء، يمكن القول ،إن الحلقات الخمسين المسموعة والمكتوبة خلقت حالة من التفاعل الموضعي ، حول قضايا مجتمعية عديدة، وكانت كمن يلقي حجارة صغيرة في بركة راكدة. وبالطبع دون أن تحدث الحراك المطلوب،لتواصل الحوار، والسؤال: لماذا انطفأت محاولة الحوار مع انتهاء الحلقات الخمسين؟ ولماذا لم تستثر المادة المكتوبة أي نوع من الحوار بعد صدور الكتاب ؟
إن المدقق في الحلقات الخمسين وفي أسلوب ترتيبها وعرضها سرعان ما يكتشف غياب الفكرة الناظمة لهذا المشروع، وتحديداً عدم طرح الرؤية السياسية المستقبلية أو الأفق السياسي القريب والبعيد للنضال الوطني الفلسطيني . فإذا كانت السلطة الوطنية قد أرجأت قضايا المجتمع والإصلاح إلى ما بعد تحقيق الحل السياسي، وارتكبت بهذا خطأ فادحاً، فقد جاء من يطرح كل قضايا المجتمع والإصلاح بمعزل عن الحل السياسي ومن دونه مرتكباً خطأ أفدح.وإذا كان الاحتلال الإسرائيلي يتدخل سلباً في كل تفاصيل الحياة الفلسطينية، فلماذا لم يتوقف المحاورون ومعدو البرنامج عند أهم عنصر من عناصر المستقبل الفلسطيني، وهو الخلاص من الاحتلال بالتسوية السياسية، أو بقاء الاحتلال وفرض خطة الفصل العنصري؟.
بين الحد الأدنى الوطني الفلسطيني والحد الأقصى الإسرائيلي، ثمة أسئلة جرى تغيبها، ولا يوجد أي مبرر لغيابها خاصة عندما نكون بصدد استشراف مستقبل الشعب الفلسطيني. فمن المسؤول عن استفراد آلة الحرب الإسرائيلية الضخمة المتحررة من كل قيود استخدام القوة بالشعب الأعزل؟ ولماذا لم يستثر الدم الفلسطيني المسفوك بلا رحمة، ولا التضحيات الضخمة أي دعم عربي جدي رسمياً وشعبياً؟ ولماذا اصبح الموضوع الأهم المطروح على الأجندة الأميركية والعالمية هو "الإرهاب الفلسطيني" وليس الاحتلال الإسرائيلي وجرائم الحرب التي يرتكبها؟ ولماذا تتعدد الاستراتيجيات والأهداف والسلطات الفلسطينية ؟لماذا أصبحت الانتفاضة هدفا وليست وسيلة لإنهاء الاحتلال ؟ ولماذا أصبح الرد على الاغتيالات هدفا بدلا من هدف فرض التراجع على الاحتلال ووقف العدوان ؟ حقاً، إن تغييب السياسة والإصلاح السياسي عندما نكون بصدد نقاش الإصلاح واستشراف المستقبل أفقد الموضوع اتجاهه وتوازنه. وقد انعكس غياب الناظم السياسي على مستوى الحوار وموضوعاته . فبدا وكأن كل شيء متساو، فلا توجد قضايا أهم من قضايا، أو موضوعات لها أولوية، حتى في الموضوع الواحد "كمؤسسات السلطة والأداء الحكومي" فلم تطرح كموضوع متكامل وضمن بنية متناغمة لتشخيص عناصر الأزمة وتحديد الحلول ، بل طرحت كعناصر مفككة لا يربطها رابط . ولم تطرح قضية المرأة بما هي قضية تحرر المرأة بإخفاقاتها ونجاحاتها، بل طرحت كموضوعات متفرقة لا هدف لها "كالزواج المبكر" و "قضايا المرأة العاملة" والحالة الحقوقية للمرأة، وعلى القارئ أو المستمع أن يستخلص ما يشاء . وكذلك تم طرح الإعلام جزئياً في مجال "حرية الصحافة" والمحطات الإذاعية والتلفزيون . لم يتطرق المحاورون لأداء المؤسسة الإعلامية، وللسياسة الإعلامية . أما الثقافة فكان نصيبها متواضعاً وكأن لا دور لها في الحاضر والمستقبل على حد سواء . فلماذا غاب عن عقل المخططين دور الثقافة الحقيقية في إعادة صياغة المجتمع بمضمون إنساني وتحرري؟ وكذلك الحال في الموضوع "الاقتصادي الذي قدم في عناوين متناثرة، ومن دون طرح الأسئلة الجدية "كالنظام الريعي" السائد في المؤسسة،وظاهرة دعم النخب المنفصلة عن القواعد الجماهيرية، والفساد المالي والإداري في مؤسسات السلطة والمجتمع وغياب المساءلة والشفافية، وأين تذهب أموال دافع الضرائب الفلسطيني ؟ إن أخطر ما في المشروع هو تفكيك الموضوعات إلى عناصر وجزئيات وتشتيت التفكير والجهد، لتكون النتيجة تعويم الأزمة وخلق حالة عامة من الإحباط.
وكم كانت هيئة التحرير جريئة عندما قالت: "اطمأنت هيئة التحرير إلى أن هؤلاء الضيوف بشكل عام هم الاختيار الأنسب لتلك الموضوعات"؟ كيف؟ إن عدداً كبيراً من العينة يشغلون مناصب رسمية حكومية وغير حكومية في أعلى الهرم للجهاز التنفيذي، وهؤلاء مسؤولون بشكل أو بآخر عن الأزمة أو في أحسن الأحوال مسؤولون عن عدم الخروج من الأزمة . ومن المفترض أن يوضع من ساهم في صنع الأزمة بشكل مباشر أو غير مباشر في موقع النقد والمساءلة، لا سيما انه لم يسجل لأحدهم الاستقالة احتجاجاً على فشل، أو اعترافاً بتقصير أو خطأ . فالمسؤول الذي يبرر الواقع الحالي ويتنصل من المسؤولية وهو في موقع المسؤولية هو مسؤول عن الأزمة. والمسؤول الذي يحتل موقعاً في السلطة ويقدم نفسه باعتباره معارضاً للسلطة هو شريك في الاخفاقات ومسؤول عنها . كيف يمكن لهؤلاء أن يقدموا تشخيصاُ دقيقاً للواقع؟ وكيف يستشرفون المستقبل ؟ إن المسؤولين الذين لم يستطيعوا إيجاد مهمات لمؤسساتهم وموظفيهم، والمسؤولين الذين حولوا مؤسساتهم إلى ما يشبه الملكية الخاصة، والذين استأثروا بالصلاحيات والامتيازات ، والذين جمعوا بين "عملهم" في الحكومة وعملهم في المنظمات الأهلية .. الخ كيف يمكن لهؤلاء أن يتحدثوا عن الإصلاح والبيروقراطية وحرية التعبير وتجديد المؤسسات والديمقراطية. إن الفريق الإعلامي لم يضف جديداً وهو يحاور هذا العدد الكبير من المسؤولين ، فمعظم أعضاء العينة يتحدثون بشكل متواصل في وسائل الإعلام والندوات "والورشات" الكلام نفسه تقريباً، ولم يقولوا يوماً أنهم ضلوا الطريق أو فقدوا الاتجاه أو نضبت طاقتهم على العطاء وبحاجة لاستراحة "المحارب" . ولو طرح الفريق الإعلامي على المسؤولين أسئلة "صريحة" كما قالت مقدمة الكتاب ، لكانت النتيجة أفضل . وللأسف كان المحاورون دبلوماسيين ومجاملين أكثر مع الوزراء والمستويات العليا، فلم يعرضوا أحداً للإحراج، كما تعرض شارون في آخر المقابلات الصحافية للعديد من تهم الفساد. وكانوا في معظم الحلقات غير نقديين بما فيه الكفاية إلا ما ندر . فمثلاً في الموضوع الإعلامي لم يستطع المحاور التوقف عند قضية العلاقة بين التطور الذي حدث بإضافة "50 محطة إذاعة وتلفزيون" وما يحدث من ترويج ثقافة هابطة وفن هابط . والعلاقة بين مضاعفة عدد العاملين في مجال الإعلام من دون أن يترافق ذلك مع تطور نقابة الصحافيين أو إجراء انتخابات جديدة، أو تبلور صيغة تنظيمية ترعى الجسم الإعلامي وتدافع عنه. كان المحاور يقدم الأسئلة كأنها واجب ينبغي الانتهاء منه . وفي مجال المناهج عندما تحدث وسيم الكردي بشكل مناقض لما تحدث به د. صلاح ياسين، حاول المحاور إجراء مصالحة بين الموقفين المتناقضين، علماً أن موقف الكردي كان في موقع الإصلاح الحقيقي، خاصة في ظل اعتراف د. ياسين بأن "المنهاج مرحلي لحين أن تستقر الأمور"، وفي حلقة "الحالة الحقوقية للمرأة الفلسطينية" كان حديث د. الهام أبو غزالة يحفز المستمع أو القارئ لنوع من النقاش، ولأسئلة تكميلية، لكن هذا لم يحدث من قبل المحاور، ربما لوجود اتفاق، أو لأن الأسئلة موضوعة بشكل مسبق .
لقد غاب النقد الجريء والبناء لحساب المجاملة، وغابت قوى ذات تأثير ملموس في المجتمع والسياسة (الممثلة بالاتجاه الإسلامي) كما غابت المعارضة اليسارية والعلمانية كما غاب الشباب سواء أكانوا ممثلين في مؤسسات شبابية أم بصفتهم الفردية .وغابت الثقافة، وقبل كل ذلك غاب الحديث عن رؤية سياسية .وفي ظل هذا الغياب المتنوع ، من المنطقي أن لا يخرج مع الفريق الإعلامي أي مستقبل ،فالذين لا ينتقدون الواقع لا يستطيعون تغييره، والذين صنعوا أزمة الحاضر لا يملكون ما يعطوه للمستقبل . إن ما عرض على لسان المسؤولين لا يمكن التعامل معه باعتباره تفكيراً سياسياً للمجتمع الفلسطيني في حاضره ومستقبله، بل تفكير للبيروقراطية الفلسطينية مع بعض الاستثناءات .