عندما كان متاحاً لمنظمة التحرير الفلسطينية، أن تطوّر نفسها، وأن تكون حاضنة لجميع القوي الفلسطينية الفاعلة، وأن تستمر كإطار كفاحي جامع؛ لم تتجه قيادة المنظمة، الي تطويرها، لكي تستوعب وتجمع، وذلك لأسباب كثيرة، منها ما هو موضوعي ـ وهو القليل ـ ومنها ما هو ذاتي، ويستند الي حسابات فصائلية صغري، فضلاً عن حسابات وحساسيات سياسية، يطول شرحها. في الوقت نفسه، لم يكن مشروع التسوية، قد دخل بقيوده وبشروطه، الي الساحة الفلسطينية والي المنطقة العربية؛ لكي تصبح الحاجة للإطار السياسي الجامع والمسموح به، الذي تمثله المنظمة ضرورية، ويصعب التغاضي عنها!
بمعني آخر، كانت الجغرافيا السياسية العربية (والأمن، هنا، في ثنايا هذه الجغرافيا السياسية) تسمح بتعزيز مكانة المنظمة، من خلال ضخ كل عناصر الحيوية اليها، لكي تتجاوز حالتها البيروقراطية، وفقرها التمثيلي الذي بدا صارخاً، مع تراجع دور قوي فصائلية، ونشوء وصعود حركتي حماس و الجهاد الإسلامي . وفي بداية التسعينيات، كان يمكن استدراك الأمر، فلسطينياً، لتنفيذ أجندة مهمة للغاية: الإصلاح الديموقراطي لمنظمة التحرير، إحاطتها التمثيلية بالجميع، صياغة البرنامج السياسي الذي لا يكون طرياً لكي يُعصر، أو صلباً لكي يُكسر، غير أننا لم ننجح فلسطينياً، في وضع هذه الأجندة، بل لم نقترب من التفكير فيها!
كانت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، هانئة بما انعقد لها من سيطرة علي هذا الإطار، دون قيود أو إشارات حمراء، وكانت الفصائل هانئة بما انفتح لها من آفاق، للفعل الميداني، في الانتفاضة الأولي، ومن فرص للتحشيد، تحت أية شعارات، دون قيود أو إشارات حمراء. وخلال مرحلة التطبيقات الأولي، لاتفاق أوسلو تباعدت المواقف أكثر، ولم تعد الي مسافتها المعقولة، إلا عندما انهارت أوسلو بانقلاب الطرف الإسرائيلي عليها، وبعد أن أصبح الفلسطينيون جميعاً في مرمي نيران الجنرالات!
لا تنفع كلمة لو . ولو كانت تنفع، لقلنا انه لو توصلنا الي صياغة جديدة، لإطار المنظمة، في مستهل التسعينيات؛ لما جاءت التسوية بهذا الشكل المشوّه، الذي جاءت به القنوات السرية، ولما جاءت تطبيقات التحقق الوطني، ومحاولات بناء نواة الدولة، بهذا الشكل المشوّه، ولما جاءت الانتفاضة، بهذا الشكل الفوضوي، ولما جاء العمل المسلح، التفجيري والناري، بهذا السياق الذي لا ناظم له، ولما كانت الوجوه كالوجوه، ولا الأدوار كالأدوار، ولا المؤسسات كالمؤسسات، ولا الخطايا كالخطايا!
اليوم، يتحدث الإخوة في حماس عن إعادة صياغة منظمة التحرير الفلسطينية، وعن دور سياسي عام يريدونه. هذا جميل وإيجابي، شرط أن لا يكون القصد هو التعامل مع صيغة هلامية، تهرباً من مطلب الوحدة علي الأرض. وما أروعه حديث، إن كان دافعه هو ملاحقة قيادة المنظمة لباب الدار، باعتبارها ما زالت تتحدث عن المنظمة كمرجعية عليا للسلطة الفلسطينية. لكن ملامح الجغرافيا السياسية نفسها قد تغيرت، بمعني أن صيغة المنظمة هي قرينة الجوار العربي والشتات. فما كان مسموحاً لنا به، في هذا الجوار، قبل حرب اجتياح لبنان، أصبح أقل بكثير، بعد العام 1982. وما كان مسموحاً لنا به، قبل حرب اجتياح الكويت، أصبح أقل بكثير، بعد ذلك الاجتياح وحصار العراق. وما كان مسموحاً به، لنا، قبل أوسلو التي جاءت بها أيدي بعضنا، أصبح أقل بكثير، لا سيما وأننا ضخخنا بأيدينا حيثيات المنظمة، الي كيان السلطة الفلسطينية، وما كان يؤمل بأن يكون مسموحاً لنا ـ بالحد الأدني ـ قبل غزو العراق، لم يعد مسموحاً به، علي الإطلاق. أي لم يعد بإمكان غير الواهمين والحالمين، التفكير في إعادة صياغة الحركة الوطنية الفلسطينية وإطارها التنظيمي، بالاستناد الي الجغرافيا السياسية العربية. فعملية إعادة صياغة المنظمة ستكون مقيدة بشروط المكان الوحيد، الذي يمكن أن نعبر فيه عن كياننا السياسي، وهو أرض وطننا. فالوضع الفلسطيني، علي هذا الصعيد، مع النظام العربي، بات شبيهاً بحال سيدة كانت تستأجر عقاراً في شارع جلال، في خان يونس، بأجر قديم، فتُغرق الشارع بالمياه، يومياً، ويرتفع صوتها، ولا يتسلم منها صاحب العقار الأجرة الزهيدة، غيظاً منها، وما أن ابتني ابنها الوحيد، منزلاً في مكان آخر، وانتقلت اليه، حتي أصبح من البديهيات، بل من المستحيلات، أن يقبل صاحب العقار تأجيرها مرة أخري، أو تأجير غيرها، وهو الذي كسر وراءها كل الآنية الفخارية! - القدس العربي -