يعتبر بوش ان بلاده هي في حالة حرب، لكن في هذه الحرب ليس هناك جيش يقاتل جيشا آخر، بل يقاتل مجتمعا مدنيا، يدمر المساكن والجوامع علي اهلها وروادها. انها الحرفة الجديدة التي يبتكرها اقوي جيش في التاريخ فقد اصبحت اهدافه محاربة الشعوب وتدمير حضاراتها، بعد ان لم تعد هناك جيوش اخري نظامية تتصدي له. فقد انهت امريكا ضربها ضد الجيش العراقي قبل عام، وخلال اسابيع وايام، ولكنها لم تدر انها افتتحت صراعا لا حدود له مع المدنيين وقواهم المعنوية التي تبتكر اسلحتها وادواتها القتالية، بما لا تمتلك احدث الجيوش ما يقابلها من فنون الصمود والرفض الانساني. من هنا يأخذ اعتراف بوش ورامسفيلد بأن بلادهما في حالة حرب، كل دلالته الواقعية. لكنها تظل مع ذلك حربا من طرف واحد يمارسه المعتدي الذي لا يتركه المقاومون يكف عن عدوانه، بحيث لا يمكن ان تغطيه اية خطابات دعاويه حول اعادة الاعمار والديمقراطية والسيادة الموهومة.

يصير الجيش الامريكي جيشا اسرائيليا آخر. كلاهما يشنان حربا علي اسلحة التدمير الشامل ضد شعبين اعزلين الا من بعض الاسلحة اليدوية الخفيفة. كلاهما يتبعان ذات الخطط التصحيرية ضـد كل ما هو مأهول من البشر والحجر، ويجعلان من قتل النساء والاطفال وتهديم البيوت اعمالا بطولية علنية تخص جنسا جديدا من الفاتحين العصريين. فيفخر القائد الامريكي امام الصحافة العربية والدولية بأنه قتل سبع مئة من سكان الفلوجة مقابل سعبين مقتولا من جنوده. فعلي الرأي العام العالمي الذي يلتقط حكمة هذا القائد ان يكافئه بالاعجاب الشديد، ما دام لم يتبق دون ان يتاح لاحد ان يحصي عدد القتلة والجلادين، المختفين وراء اقنعة الجنود النظاميين لجيش تتحمل مسؤوليته امة عظمي اطلقت علي ذاتها منذ نشأتها الاولي انها رائدة الحرية والديمقراطية في العالم.

ارض العرب من فلسطين الي العراق اضحت حقل التجارب الاخيرة والموصوفة بالذروية لاختبارات المحصلة النهائية لما يسمي بمكتسبات مدنية الانسان، ومدي تطابقها او تعارضها المشين مع ثقافة كل من الحق والحقيقة معا، علي ضوء هذا التطور الموضوعي يمكن مناقشة العرض الذي تقدم به الشيخ بن لادن حول فرصة للصلح مع شعوب اوروبا او حكوماتها، وهي ان تكف عن التحالف مع قتلة المسلمين في اوطانهم، بمعني ان تنزه مدنيتها عن المشاركة مع زبانية القتل الجماعي الذي امسي بمثابة شرعة مطلقة لتوأمي الامريكي الحاكم والصهيوني التابع او بالاحري القائد للحاكم نفسه، فاوروبا التي اتيح لها ان تعاود اكتشاف استقلالها الثقافي خلال انخراطها المخلص في معركة المقاومة العالمية التي قادتها ضد الحرب علي العراق، وما زالت تقاوم تطور الاحتلال الامريكي الي استيعاب للعراق وللمنطقة العربية والاسلامية من حوله عبر مشروع الشرق الاوسط الكبير، اوروبا هذه هي التي تؤهلها مسيرة مدنيتها الراهنة الي وقف هذا التدهور العالمي نحو مستنقعات ومجازر صراع الحضارات، وذلك بالشروع في انفضاضها عن حلف عتيق، وصار اشبه بسجن اجباري لها ولمشروعها النهضوي الذي يخصها وحدها، لم تعد مضطرة للانجرار وراء حروب الاخرين، وخاصة ذلك الاخر التوأم الامريكي المتصهين، وقد راح يكيد لها، جاعلا من كل عدوان له في عمق مجالها الحيوي عدوانا غير مباشر علي مصالحها واحباطا لمستقبلها.

ولان كل ما توقعته المعارضة الاوروبية للعدوان الامريكي علي العراق قد تحققت نتائجه السلبية علي كل صعيد، سواء بالنسبة لفشل الاحتلال في انتاج اية ركائز ثابتة لقيام نظام سياسي قابل للحياة او علي العصيد الامني والمعاشي، وكلها برأي الجميع اضحت اسوأ بكثير من كل شيء سبق الحرب، ولأن الاحتلال يواجه الانتفاضات شبه الجماعية فكأنما غدا العراق علي ابواب ثورة شعبية شاملة ومسلحة، فان اوروبا تحس انها لم تمتلك الرأي الصائب فحسب، بل انها انقذت نفسها من التجربة المرة التي انساق اليها بوش وكان يسعي الي جر من معه الي الهاوية الراهنة التي يتمتع بخيراتها وحده الان. فلماذا اذن لا تتابع تحييد نفسها عن الهاوية الاخطر المسماة بالارهاب، فتجنب مؤسساتها وشعوبها اعباء الخوف الوهمي والهستيري الذي انخرطت امريكا في وعثائه حتي أخمص قدميها، وكادت تفقد مكتسباتها الديمقراطية واحدة بعد الاخري تحت وطأة المبالغات في اتخاذ اجراءات الحرص والسلامة، الي الحد الذي تنقلب فيه الدولة اخيرا الي مجرد دولة امنية من طراز ديكتاتوريات العالم الثالث.

اذا ما سارع قادة اوروبا الي اعلانات الرفض لعرض التفاوض مع بن لادن، الا ان الرأي العام لدي مجتمعاتها لم يتح له بعد ان يكشف عن موقفه، وان كانت معظم الدلائل الاعلامية تنبيء عن تأويل آخر مختلف. فليس المهم هو مبدأ التفاوض، قبوله او رفضه، بقدر ما هو المهم حقا ان تتابع اوروبا انتهاج سياستها المستقلة عن القاطرة الامريكية، وفي موضوع فهمها لاسباب الارهاب، والعمل علي تعديلها، لكنها الان وفي ذروة هذا الاحتدام مع الانتفاضة العراقية المتصاعدة من ناحية، ومع اعلان بوش انحرافه الكامل عن قول السلام عبر ذلك (العناق) الفج مع الجزار شارون، من ناحية اخري، لا بد ان يجد النهج الاوروبي احدي اكبر فرصه التاريخية، ليس في ادلائه بآرائه الاستقلالية فحسب، ولكن في الشروع بالتدخل العملي الواضح وفي صلب المعضلتين معا العراقية والفلسطينية، فقد صرح رئيس الاتحاد الاوروبي الحالي انه ينبغي لاسرائيل ان تعقد محادثات السلام مع اعدائها، وليس مع اصدقائها، وقال شرودر الالماني انه من غير المسموح لاحد ان يعقد اتفاقات من وراء ظهر الفلسطينيين، وحتي بلير فانه لم يكن مستعدا لابتلاع (انحراف) صديقه وزعيمه بوش، دون ان يسارع بطلب اجتماع اللجنة الرباعية حتي اضطر بوش ان يعلن عن بعض التراجع خلال مؤتمره الصحافي مع بلير، اذ يشير الي ان كل الامور متروكة في النهاية للتفاوض بين الطرفين، الفلسطيني والاسرائيلي. ما معناه ان يتخلي تقريبا دفعة واحدة عن وعوده (البلفورية) السابقة جاعلا منها مجرد آراء آنية، قبلت في مناسبتها لارضاء الضيف الشاروني ولوبياته اليهودية.

لقد رفض الجميع والاوروبيون في المقدمة تغيير قواعد اللعبة، ما عدا معظم القادة العرب المتمسكين بصون ألسنتهم عن ان تؤدي بهم الي مهالك تجانسهم. فلم ينجح بوش في تغطية ازمته المستفحلة في العراق بواسطة محاولته تفجير قواعد التسوية الفلسطينية، والخطوط الحمر حاصرته من كل جهة. كل المخططات المتصورة او المنفذة لم تنفع شيئا في تغيير معادلات القوة علي الارض. فكيف يمكن اليوم تفادي منطق الانتفاضات الشعبية، ما وفق كل الدسائس الطائفية والعرقية التي جعلها الاحتلال الاعمي دليله الوحيد الي اختراق مناعة المجتمع العراقي، ها هو الاحتلال ينتهي الي مصير الوحش المحاصر والمعزول بين ضحاياه. يفتضح الاحتلال كأعلي اشكال الاستبداد مدنيا، وعلي اخطر درجات البربرية عسكريا. لم يعد يمتلك الا جبروته العسكري الذي لا يمكنه ان يستعمله الي حدوده القصوي علي مرأي من العالم اجمع الذي يضع العراق في مركز رؤيته وانتباهه. اي ان النهج الشاروني الذي اصيب بالانكسار عندما بلغ حدوده القصوي واضطر صاحبه الي اختراع وهم الانفكاك عن الفلسطينيين والجلاء عن غزة. هذا النهج عندما امسي بوشيا وتم استخدامه في الفلوجة، امسي مدخلا الي مرحلة استقلال العراق من جديد. ذلك ان نجاح المقاومة النسبي فتح الطريق امام طرد الاحتلال خارج المدن، وهذا يحتم انقلابا حقيقيا في علاقة القوة مع المدنيين فسوف يكون في مقدور المجتمع المدني العراقي قريبا اقتراح صيغ اخري للعلاقات مع قوي الاحتلال لن يظل الحاكم بريمر هو الذي يضع خطط انتقال السلطة لوحده، ولن يبقي الآمر الناهي في متغيرات الحياة السياسية التي لا بد ان تتابع نتائجها الايجابية بعد المنعطف (التاريخي) الذي سجلته معركة الفلوجة واصدائها في كل العراق، واليقظة الجديدة التي ولدتها انتفاضة الصدر وتداعياتها في اوساط الشيعة.

الهزائم العربية لن تكافئها من حيث التأثير وقوة الانعطاف الا امثال هذه المتغيرات الشعبية المفاجئة التي هي رغم محدوديتها الحدثية الا انها قد تزلزل احيانا الارض الهاجعة وتحدث ما لم يكن في حسبان اي عقلية امبراطورية مفعمة ببخار الغرور وحده. وهذه الحقيقة البسيطة هي التي تجعل الامة صامدة وراء امالها المكبوتة، انها لا تنتـظر المعجزات تهبط عليها من الغيب السماوي او العرش السلطاني، كل ما سوف تحصده هو من غرس يديها، ومن دم شهدائها. - القدس العربي -