يجب أن تقبلوا الحلول التي نفرضها عليكم.
هذه هي خلاصة الرسالة التي يريد الرئيس الأميركي جورج بوش إيصالها إلى القيادة الفلسطينية وإلى المسؤولين العرب جميعا. وبما أنكم لم تتجاوبوا مع هذا الطلب الأميركي فيما يخص القضية الفلسطينية، فإن إسرائيل ستكون مطلقة اليدين في القضاء على ما تعتبرونه أنتم مقاومة شعبية مشروعة للاحتلال، ونعتبره نحن ارهابا يجب القضاء عليه.
وهذه الرسالة الأميركية، والتي تم تبليغها لنا عبر القناة الإسرائيلية المسماة آرييل شارون وخطته لفك الارتباط من جانب واحد، تعني على أرض الواقع أن النضال المسلح يجب أن يتوقف كليا. ولكن السؤال الأساسي الذي يطرح هنا: هل هناك مجال لنضال سلمي فلسطيني قصّر الفلسطينيون في اكتشافه وممارسته؟ هناك من يقول: نعم، يوجد نضال سلمي ونحن الفلسطينيين قصّرنا في اكتشافه وممارسته. وقد صدر صوت من هذا النوع عقب اغتيال الشيخ أحمد ياسين، وتحمس لهذا الصوت مثقفون وسياسيون. ولكن المجال مفتوح للرد على هذا الصوت وأصحابه، انطلاقا من عقل بارد ومن حسابات سياسية أشد برودة، وخلاصة الرد أن النضال السياسي البعيد عن «عسكرة الانتفاضة» لم يعد له مجال في الصراع العربي ـ الإسرائيلي. ونحن لا نقول هذا الكلام حماسا أو انفعالا بعد اغتيال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، إنما نقوله استنادا إلى أبرز المواقف الأميركية والإسرائيلية المعلنة. المواقف الأميركية: نقصد بها خطاب «رؤيا بوش»، الشهير الذي ألقاه في منتصف العام 2002. إن جوهر هذا الخطاب هو أن على الفلسطينيين من كل قيادتهم التي أطلقت حركة المقاومة المسلحة منذ عام 1965 حتى الآن. يجب توديع هذه القيادة، وخزنها في الأقبية باعتبارها قيادة إرهابية، ويجب استيلاد قيادة جديدة مطواعة تكون جزءا من السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، وتقبل الحلول التي تعرضها إسرائيل ولا شيء غير ذلك. وأخيرا... عبر الرئيس بوش عن هذا المنهج بقوله في المؤتمر الصحافي المشترك مع شارون قائلا «على الفلسطينيين أن يقبلوا ما يتم منحه لهم»، مردفا ذلك بتوضيحاته الثلاث حول الحدود والمستوطنات واللاجئين. المواقف الإسرائيلية: نقصد بها الخطط التي يعرضونها على الفلسطينيين كحل دائم ونهائي. سواء الخطة التي عرضها إيهود باراك في مفاوضات كامب ديفيد 2000، أو الخطة التي يعرضها شارون الآن. إن جوهر الخطتين واحد: الاستيلاء على نصف الضفة الغربية وترك الباقي لما قد يسمى الدولة الفلسطينية، وهذه الدولة الموعودة ستكون دولة من دون سيادة، الأمن فيها تحت سيطرة الإسرائيليين برا وبحرا وجوا.
وعلى أساس هذين الموقفين الأميركي والإسرائيلي، فإن فرص النضال السلمي تصبح ضئيلة للغاية، وما قد ينتج عنها هو قبول الرؤيا الإسرائيلية للحل ولا شيء غير ذلك.
وبما أن الفلسطينيين يرفضون هذا النوع من الحل، مطالبين بحل يقوم على أساس الشرعية الدولية التي تفرض على إسرائيل الانسحاب إلى حدود 1967، وإلغاء المستوطنات، والاعتراف بحق العودة للاجئين، فقد بادرت إسرائيل إلى اتباع سياسة مؤداها قتل القيادة الفلسطينية ما دام الفلسطينيون لم يبادروا إلى تغييرها، وهم يظنون أنه بعد قتل هذه القيادة، وعند إنجاز فك الارتباط من طرف واحد، فإن المناخ سيكون مهيئا لبروز القيادة الفلسطينية الموعودة، القيادة الخانعة التي تقبل الحل الإسرائيلي، وتنال الرضى الأميركي. إنهم «ينظفون» الأرض من القيادة المناضلة، لتأتي على أثر ذلك القيادة الجديدة المطواعة التي تقبل التنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني الأساسية، تحت مسميات السلام والديمقراطية والتنمية.... إلخ. إن القيادات المطواعة للمحتل، لها في تاريخ الشعوب إسم واحد هو القيادات «الخائنة»، ولم يعرف أن قيادات خائنة استطاعت أن تنجز حلولا ناجحة تعيش على أرض الواقع.
وحين تكون الأوضاع على هذه الشاكلة، فإن شكل النضال يتحدد سلفا، وتصبح اصوات النضال السلمي وكأنها أصوات لا معنى لها. - الحقائق -