شارون أعلن خطته للانسحاب من غزة، ودعمه في ذلك جورج بوش وتوني بلير. تُرى ماذا بقي للفلسطينيين أن يفعلوه في مواجهة ذلك؟ وما هي خياراتهم؟.

سهل جدا أن أبدأ مقالي بلعن القُوى الصهيونية والإمبريالية المتآمرة على العرب، كذلك أيضاً سهل جداً أن أقدم قراءة لخطة شارون ومجموعة الفخاخ التي تنطوي عليها استراتيجية الانسحاب من غزة، إنما من الصعب بالنسبة لكثيرين من الكتّاب العرب أن يطلبوا موقفا غير مألوف ترفضه «الزفة» العربية والمتصدرون للكتابة في ساحتها!. ما أطلبه من الاخوة الفلسطينيين في هذا المقال، هو أن يلقوا السلاح ويستخدموا قوة الضعف بدلا من ضعف قوتهم الحالية. ولي في ذلك أسبابي التي أرى أنها أفضل من ألف مقال مما سيكتبه كثيرون ممن لم يحرروا ارضهم ويطلبون من الفلسطينيين انتحاراً جماعياً.

بداية خطة شارون المؤيدة أمريكيا تنطوي على مجموعة فخاخ كما ذكرت: الأول، هو أن تخليه عن المستوطنات في غزة هو تخل عن مستوطنات لا يمكن الدفاع عنها تسوق على انها انسحاب من أجل السلام.

ثانيا، من الممكن أن يكون الأمر ليس غزة أولا فقط، إنما غزة أولاً وأخيراً.

ثالثا، الانسحاب من غزة بهذه الطريقة دونما ترتيبات أمنية تدريجيا، يحول غزة الى صيغة الدول الفاشلة التي تتناحر فيها الأطراف المتخاصمة كما كان الأمر في مقديشو وفي كابول، وبالتالي تكون هي دعوة للاحتلال مرة اخرى، وربما من قبل قوى اخرى.

أخيراً، خيار غزة أولا، يعني أن الدولة الفلسطينية الناتجة عن ذلك هي دولة غير قابلة للحياة. هذه تفسيرات معروفة أذكرها هنا من باب التذكير، وليس من باب الحصافة السياسية، لكن في ظل هذه الأوضاع، تُرى ما هي خيارات الفلسطينيين؟

قبل أن أتحدث عن خيارات الفلسطينيين، دعونا نتحدث بأمانة عن الوضع الفلسطيني القائم، وخارطته السياسية.

الوضع السياسي في فلسطين وصل إلى أسوأ حالاته، وكما ذكرت في مقالي السابق حول «من يستحق حكم العراق؟»، والذي أوضحت فيه غياب القيادة السياسية الكارزمية القادرة على المقامرة والمغامرة، أقول إن الوضع نفسه ينطبق على الاخوة في فلسطين، فمن في فلسطين مؤهل لتسلم هذه السلطة الوليدة بعد الانسحاب؟

أبو عمار وصل إلى منتهاه، وحوصر في مبنى في رام الله، هذه هي الوقائع على الأرض، الرجل ايضا، مريض ومسن، بدأ مساره من قائد ثورة ملء السمع والبصر، واتخذ مساراً، خالياً من التصور الاستراتيجي، فأوصله إلى هذه الحالة، وحاله في ذلك أفضل من صدام حسين بقليل، فصدام بدأ بقائد عظيم وانتهى في حفرة، وأبو عمار بدأ قائداً عظيماً وانتهى في بناية لا يوجد فيها حوله سوى أحد ممثلي الاتحاد الأوروبي الذي ربما لا يريده الأوروبيون في بروكسل، فاختار منفى «اختيارياً» في رام الله.

إذن، مع كل الحب والتقدير لمسيرة أبو عمار الثورية، اعتقد انه من الأكرم له وللفلسطينيين، أن يترك الساحة لقيادة أخرى، لكن لمن؟!

ربما كان أفضل الخيارات الفلسطينية في السابق وبعد مؤتمر مدريد مباشرة، هو الدكتور حيدر عبد الشافي، الرجل الذي يساوي في وزنه الأخلاقي شخصية نيلسون مانديلا في جنوب افريقيا، لكن عبد الشافي ايضا طعن في السن، كذلك همشته القوى الفلسطينية المختلفة وحاصرته، وكان حصار الفلسطينيين لعبد الشافي أسوأ بكثير من حصار إسرائيل لأبو عمار. عبد الشافي غائب، إذن من البديل؟!، أول ما يتوارد إلى الذهن هو «فتح»، غير أننا جميعا نعرف أن «فتح» كمنظمة، على سبيل المثال، فشلت في تقديم أي قيادات بديلة، حيث أصبحت المنظمة نسخة من دول الجوار، مؤسسات شاخت وتصر على البقاء رغم خلوها من أي عناصر تسمح لها بالاستمرارية، سوى الزعيق والبارود.

إذن: هل حماس مؤهلة للقيام بهذا الدور؟..

الجواب هو بالنفي، فهي ليست بديلا، وذلك لأمرين:

الأمر الأول، هو ان الساحة الفلسطينية لا تقبل بأن تصبح فلسطين دولة إسلامية، وذلك لظروف الداخل الفلسطيني، وكذلك لظروف الجوار. فوجود دولة إسلامية حماسية إلى جوار دولة يهودية يعني وضع البنزين إلى جوار النار، ويعني حريق المنطقة.

هذا اضافة الى ان حماس، مثلها في ذلك مثل منظمة فتح، ليس لها ذراع سياسي حقيقي، كل ما لها هو ميليشيات تتعامل مع الوضع الأمني على الأرض من خلال سياسة الكلاشنكوف وتفخيخ البشر. حتى قيادتها السياسية من امثال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي وخالد مشعل، ليست محل إجماع في الداخل الفلسطيني، كما انها لا تحظى بالاحترام لا عربياً، ولا دولياً. زعامات لا تختلف عن زعامة مقتدى الصدر في العراق، لا تستطيع إلا ان تكون في صفوف المقاومة، لكنها لا تستطيع أن تقود مجتمعاً. وفي النهاية لا يمكن لفلسطين أن تصبح دولة إسلامية، حتى لو كان هناك بن لادن والظواهري في غزة. هذه حقائق السياسة، وليس«ضرب الودع»، والزعيق السياسي الذي نسمعه كل يوم في القنوات «بتاعة الشرائط الخارجة سياسيا».

من تبقى إذن على الساحة الفلسطينية، الدكتورة حنان عشراوي؟!، نعم هي سيدة فاضلة ومناضلة، لكنها بدون قاعدة شعبية، وهي امرأة، بكل ما يعني ذلك في المعادلة السياسية العربية. كذلك هي مسيحية، بكل ما يعني ذلك لجماعة حماس والجهاد الإسلامي. إذن السيدة عشراوي هي قوة اخلاقية يمكن ان تفيد ضمن تصور أشمل يحول قواعد اللعبة من حالة الصراع بين محتل ومقاومة مضادة، الى صراع اخلاقي، بين قوة محتلة وغاصبة مدججة بالسلاح، وبين شعب ضعيف أعزل لا حول له ولا قوة، في اطار فلسفة غاندي. لكن لمثل هذه الفلسفة اساسيات لا تتوفر في الواقع الفلسطيني الآن، أولها، هو التنسيق التام، وكذلك القبول بهذه الاستراتيجية، كاستراتيجية مقاومة.

وحتى لا ننسى، لا بد أن نذكر ايضا وجود قيادة شابة مثل محمد دحلان، لكنه رجل أمن وليس رجل سياسة، دحلان موظف وليس قائداً، على الأقل حتى هذه اللحظة، كما انه لم يقامر بعد، ويطرح نفسه كقيادة بديلة.

من كل هذا يتضح امران:

الأول، هو ان الوضع الفلسطيني عار تماماً من حيث القيادة الكارزمية المقامرة. والثاني، هو فشل استراتيجيات المقاومة المسلحة بسبب فارق القوة بين طرفي المعادلة. في مثل هذه الحالات التي يكون فارق القوة في الصراع كبيرا بهذا الشكل، ويكون البون واسعا بين الحاكم والمحكوم، المحتل والذي هو تحت الاحتلال، لا يبقى هناك خيار سوى القدرة على تغيير قواعد اللعبة.

في اللعبة الحالية، الاحتلال ينتج نقيضه، وهو المقاومة المسلحة، في حالتي فلسطين والعراق ايضا، اذن استمرارية الاحتلال تأتي من استمرارية المقاومة المسلحة، فكلما زادت المقاومة التي هي من نفس جنس الاحتلال، يزداد الاحتلال تجذراً.

حقيقة الأمر هي ان المقاومة في كل من فلسطين والفلوجة، رغم استخدامها للسلاح، تراهن في المقام الأول والأخير، على ان أخلاقيات العالم المتحضر تردع المحتل وتمنعه من ان يمسح هذه المناطق من على الخارطة، إذن هناك قناعة بأن العنصر الأخلاقي هو الرادع للأمريكيين في الفلوجة، وللإسرائيليين في غزة، من أن يمحوا هذه الأماكن بأسلحتهم الفتاكة.

إذن لماذا لا نغير قواعد اللعبة تماما، ونعتمد على الأخلاق باعتبارها الحاكم الأول والأخير لمعادلة جديدة.

إذا ما ألقى الفلسطينيون السلاح تماما، وظهروا للعالم كشعب أعزل، ففي ذلك هزيمة ليس لإسرائيل فقط، إنما هناك هزيمة للمشروع الصهيوني بأكمله، بمعنى أن المشروع الصهيوني المبني على الانغلاق وإقامة دولة يهودية يتفكك تماماً عندما يواجه بقواعد لعبة اخلاقية ترفض التميز العنصري.

اسمع في الخلفية اصوات قادة الغرف المكيفة في تلفزيونات العرب الثورية، تقول إن فندي يحاول ان يقنعنا بأن نستسلم، هذه دعوة استسلام وليست دعوة سلام، إلى آخر قائمة الهتافات التي نعرفها ونحتقرها عندما نكون بمفردنا، لكننا جبناء في أن نعلن احتقارنا لها من المحافل العامة.

كل ما يحتاجه الوضع الفلسطيني الآن، هو رجل شجاع يقول كفى، معلنا قوة الضعف، ومتمسكاً بالأخلاق التي تكشف عورة المستعمر، وتفكك مشروعه تماما. رجل يعلن تغيير قواعد اللعبة، ويعلن إلقاء السلاح، كخطوة اولى في بداية مشروع تنظيم عمل سياسي بقواعد اخلاقية جديدة، تؤدي في النهاية الى قيام دولة فلسطينية، وكذلك تؤنسن الدولة الاسرائيلية الحالية (أي تجعلها اكثر انسانية)، بالطبع، سيكون هناك مقاومون لهذا الخيار، لأنه وفي تفكيك المشروع الصهيوني وادوات العنف فيه ايضا تفكيك لمشروع العنف في الدولة العروبية، تفكيك قد يؤدي الى نهاية انظمة بأكملها، لذلك سيرفض طرحي هذا بشراسة. - الشرق الأوسط -