شارون بعد وعد بوش المشؤوم، غير شارون قبل الوعد . وأخذاً بنصيحة الخبراء القائلة "لا تأخذوا بأقوال شارون بل خذوا بأفعاله"، فقد كان فعله الأول اغتيال زعيم حركة حماس د. عبد العزيز الرنتيسي بأسلوب دموي بشع. ولكن يبدو أن شارون أصبح غير مضطر لتقديم أقوال متعاكسة مع الأفعال بعد حصوله على الوعد . لأن الرئيس بوش لم يعد بحاجة إلى تسويق التبرير الإسرائيلي للزعماء العرب، بعد أن انتقل إلى طور "المقامرة بمصيره وبمصير البشرية" كما يقول الكاتب الأميركي أند رو سوليفان في مجلة تايم الأميركية .
جاء اغتيال الشيخ احمد ياسين ومن بعده، عبد العزيز الرنتيسي ليدشن الطور الأخطر في الحرب الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني . يقول شارون انه بالوعد الذي جاء به من واشنطن "سدد ضربة سياسية قاضية للفلسطينيين"، والان اصبح بصدد استكمال الضربات الميدانية.وكان المؤرخ الإسرائيلي باروخ كيمرلينغ قد استخدم مصطلح (البوليتيسايد) في وصف الحرب الشارونية . البوليتيسايد يعني التدمير المنهجي للبنية التحتية المادية والبشرية للمجتمع الفلسطيني، لكي يتوقف عن كونه مجتمعاً سياسياً يرى أن من حقه تقرير المصير .ويكون التدمير عبر نشاط عسكري وسياسي واقتصادي ودبلوماسي ونفسي بالغ الإحكام.أما البروفيسور الإسرائيلي في علم الاجتماع ليف غرينبرغ فقد قال: إن إسرائيل تمارس القتل الرمزي للشعب الفلسطيني ممثلاً بالزعماء والمؤسسات والأرض والأمل باستقلال سياسي ، وأضاف في معرض دفاعه عن نفسه بعد أن اتهمته الخارجية الإسرائيلية بالخيانة، هناك فرق كبير بين ما فعلته النازية من قتل للشعب اليهودي وما تفعله إسرائيل من قتل رمزي للشعب الفلسطيني . إن تشخيص كل من كيمرلينغ وغرينبرغ يأتي متطابقاً مع ما يحدث كل يوم وليلة على الأراضي الفلسطينية . فهذه الدولة العظمى-إسرائيل- تلقي القبض على الشعب الفلسطيني وتتفنن في تعذيبه . وفي محاولة كسر إرادته وتفتيت بنيته السياسية والاجتماعية والاقتصادية من خلال حرب مدمرة لا تعرف الرحمة منذ ثلاثة أعوام، تلك الحرب التي دشنها أيهود باراك عندما أقنع الإسرائيليين بأنه لا يوجد شريك فلسطيني، وسلّم الدّفة لأصحاب مقولة "دعوا الجيش ينتصر". الآن وبعد وعد بوش المشؤوم تدخل هذه الحرب فصلها الأخطر . لأن الوعد استبدل القانون الدولي والشرعية الدولية القائلة بـ : لا يجوز ضم أراضى الغير بالقوة، بالحقائق الاستعمارية التي فرضت بالقوة. واستبدل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بالتحالف الأميركي الإسرائيلي واستبدل مبدأ حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني بحرية ومن دون تدخل باملاءات غطرسة القوة . والأخطر من كل ذلك أن وعد بوش أقرّ بشطب التمثيل السياسي للشعب الفلسطيني . فالتمثيل السياسي القائم والمعترف به فلسطينياً وعربياً ودولياً منذ عقود أصبح لاغياً، بانتظار محاولة تصميم سياسي جديد تقبل به إسرائيل أو تصنعه إسرائيل . وجاء إلغاء التمثيل السياسي الفلسطيني بمصادقة وعد بوش على حل انتقالي من طرف واحد وإجراءات من طرف واحد هو إسرائيل .
ويعتبر التنكر للتمثيل السياسي الفلسطيني (الشرعية الفلسطينية) مؤشراً على عقم المشروع السياسي الإسرائيلي الأميركي . وهو مشروع الفصل العنصري لمجموعة من الكنتونات المنفصلة عن بعضها والمطوقة بقبضة بقبضة حديدية إسرائيلية ولا تمت بصلة لمفهوم الدولة ولا حتى لمفهوم الحكم الذاتي الذي قد يتحول إلى دولة .
إن التنكر للتمثيل السياسي يفسر أيضاً فصول الحرب الدموية السابقة والراهنة، فلماذا بدأت الحرب بضغوط عنيفة على السلطة . وبالعمل على إضعافها وتفكيك بنيتها وإيصالها إلى حالة من الضعف والشلل ؟ ولماذا اسقط التحالف الأميركي – الإسرائيلي حكومة أبو مازن التي أبدت استعداداً ملموساً لتطبيق خارطة الطريق ؟ كان الهدف فرض الاستسلام على السلطة واعادة تشكيلها بما يتفق مع شروط الحل السياسي الإسرائيلي، لكن إسرائيل أخفقت في الوصول إلى هذا الهدف، وفي الوقت نفسه، أقنعت الأكثرية الساحقة من الشعب الفلسطيني بعدم جدوى العملية السياسية والتفاوض وبتأييد خيار المقاومة العنيفة فتصدر المقاومون المشهد، واحتدم الصراع الدامي، وبلغ أشده بإعادة احتلال مدن الضفة الغربية ، وبتجديد المحاولة الإسرائيلية لإعادة صياغة الوضع الفلسطيني بما ينسجم مع أطماع إسرائيل في التوسع والهيمنة .
وفي الفصل الحالي للحرب يتركز الهجوم الدموي الإسرائيلي على بنية المقاومة ورموزها وبشكل خاص على قيادة حماس . وفي الوقت نفسه تحافظ إسرائيل على موقفها من إضعاف السلطة وشلها وعدم الاعتراف بأهليتها للشراكة السياسية . إن إضعاف السلطة وإغلاق الأبواب أمام الحل السياسي قاد إلى صعود المقاومة . لكن إضعاف المقاومة في الضفة الغربية ومحاولة تحطيمها في غزة لم يؤد إلى استنهاض وبعث السلطة وفتح الانسداد أمام الحل السياسي . وهذا الموقف الإسرائيلي يؤكد أن الهدف هو تصفية الكيانية الفلسطينية بمختلف أشكالها وتجلياتها، سلطة ومنظمة ومقاومة ومؤسسات .
هكذا ، تستخدم إسرائيل في حربها الأسلحة العسكرية والسياسية والاقتصادية والمعنوية، وتقدم المشاريع والخطط في كل مجال، وتدخل التعديل تلو الآخر وفقاً للمستجدات والمتغيرات . أما الوضع الفلسطيني فيعيش حالة من الثبات وفي أحسن الأحوال يعمل بنظام رد الفعل المرتجل وغير المخطط .لقد استدرجت القوى السياسية إلى العسكرة والى نوع من الحرب التي تعطي مزايا وافضليات كبيرة لإسرائيل . وما زالت القوى السياسية تفتقد للمبادرة السياسية الدفاعية وخاصة بعد وعد بوش المشؤوم . ما زالت الدبلوماسية والحركة السياسية الفلسطينية متأخرة عن الحدث النوعي الكبير. فهل يمكن الدخول في حالة من الاستنفار السياسي الذي يقرع جميع الأبواب ويطالب بمواقف فردية وجماعية تعارض الوعد الأمريكي والمشروع السياسي الأميركي – الإسرائيلي . إن بلورة موقف عربي مؤيد لحقوق الشعب الفلسطيني الثابتة وغير القابلة للتصرف في مواجهة الوعد الأميركي مسؤولية فلسطينية بامتياز . وكذلك حشد الموقف الإسلامي وسائر المنظومات الإقليمية والموقف الدولي المناهض للوعد الأميركي من أجل عزله . وما زال الحوار الفلسطيني متخلفاً عن الحاجة لبلورة موقف وبرنامج موحد، يحميه إطار موحد ومؤقت يشمل كافة القوى السياسية. كذلك، فإن الوضع الجديد يستدعي إدخال تعديل جديد على الحكومة الفلسطينية باتجاه حكومة مصغرة وبرنامج وطني يفعّل دور الجماهير الفلسطينية، ويعيد إشراكها في الدفاع عن الحقوق الوطنية وفي تقرير المصير وفي إسقاط وعد بوش .