ضربة موجعة اخرى، لم تكن تقل عن الضربة التي تلقتها حماس بفقد زعيمها ومؤسسها الشيخ احمد ياسين. حماس اعترتها هذه المرة صدمة جديدة، ربما تكون اصعب من فقدان الشيخ ياسين، اذ ان فقدان اكبر زعيمين للحركة في اقل من شهر وضعها امام عدد من «الامتحانات الصعبة»: على مستوى ترتيب الوضع الداخلي، وعلى مستوى ادارة الصراع مع الاحتلال، وعلى مدى الاستجابة للضغوط الثقيلة للرد على جريمتي الاغتيال المتلاحقتين، كما انها ـ بعد استشهاد الشيخ ياسين ـ سرعان ما اعلنت عن قائد جديد لم تسمه ـ لكنها هذه المرة دخلت في حيرة الاختيار، وحارت بين الإعلان والإسرار.

الدكتور عبد العزيز الرنتيسي حل محل الشيخ ياسين بسرعة في «رسالة» سريعة وقوية لدولة الاحتلال بان حماس قادرة على ملء الفراغ والاستمرار في العمل «الجهادي» كما صرح احد قادة الحركة حينها، لكن سرعان ما ردت اسرائيل برسالة اخرى، اذ انتزعت الرنتيسي من حضن الحركة وقذفت به الى جانب الشيخ ياسين وصلاح شحادة واسماعيل ابو شنب وابراهيم المقبلة في مقبرة الشيخ رضوان بغزة. حماس عادت واكدت في رسالتها بانها «ستضرب في العمق الصهيوني وان مقاومتها للاحتلال ستتصاعد». قادة اسرائيل ردوا ـ وعلى لسان شارون وموفاز ـ بأن «اسرائيل ستواصل اقتلاع رؤوس الارهاب، و ان عمليات الاغتيال ستستمر، وانه لم يعد احد من قادة حماس محصنا من التصفية». وقد اخذت الرسائل من قبل الطرفين منحى التصعيد غير المسبوق في الصراع الدموي، ويبدو ان قادة الدولة العبرية كانوا مرتاحين خلال الـ25 يوما التي تلت اغتيال الشيخ ياسين، والتي مرت بدون رد حماسوي، فقرروا انزال ضربة اخرى. اسرائيل تولدت لديها قناعة بأنه يجب استنزاف حماس بأقصى قدرة ممكنة، عبر عمليات الاغتيال المتواصلة وإشعارها بأنها في دائرة الاستهداف، وأنها ستكون « العدو الاساسي الذي يجب ان نحاربه»، كما قال موشيه يعلون رئيس هيئة الاركان. هناك من يرى بأن التركيز على حماس بدأ منذ اكثر من سنة ونصف السنة، بدأت باغتيال الدكتور ابراهيم المقبلة ووصلت الى الرنتيسي، وانه يهدف الى « تنظيف قطاع غزة من حماس قبل الانسحاب»، بحيث لا تترك فرصة امام حماس لفرض قوتها وتأثيرها على مجريات الاوضاع في القطاع بعد الانسحاب، بل انها تريد خلق اوضاع تمهد الطريق امام « قيادة معتدلة» ـ طبعا من خارج حماس ـ تفتح المجال امام القبول بالتسويات السياسية المفروضة اسرائيليا وأميركيا.

حماس الآن امام مفترق صعب وخيارات اصعب: فهي اما ان تقرر مواصلة حربها مع الاحتلال بشكل اعنف كما كان في السابق، وهذا يعني ان الاحتلال ـ هو الآخر ـ سيصعد من عدوانه، وتدخل المنطقة في «حمام دم جديد»، وإما ان تتريث قليلا ولا تنجر إلى دائرة الانتقام «بقدر قناعتها باستمرار نهج المقاومة وليس عمليات رد انتقامية»، كما يصرح قادة الحركة دائما. حماس، ورغم اتساع شعبيتها، فقدت الكثير من الرموز البارزة، تاريخيا وسياسيا وتنظيميا، وهي ستشعر انها بالفعل بحاجة الى ضخ دم قيادي جديد في الحركة، وهنا ستبرز تساؤلات كثيرة حول ما اذا كانت ستنتهج نهجا مغايرا: هل سينتقل الثقل الحركي إلى الخارج.. هل ستحول حماس الى حركة أكثر سرية وعنفا.. وهل سترفض التعاطي مع أي أوضاع سياسية جديدة؟ هذه الاسئلة ستشغل بال قادة حماس في هذه الفترة، خصوصا ان حجم الضغوط على كاهل حماس قد ازداد: ضغوط عمليات التصفية المستمرة، ضغوط المطالبة بالانتقام والرد السريع من قبل القاعدة وأطراف اخرى، ضغوط ترتيب الوضع الداخلي وفرز قيادة تعمل بخط مخالف عما كان في السابق. حماس الان في صراع مع الزمن لإثبات سرعة تكيفها وقدرتها على تجاوز المحن والضربات المتلاحقة. كذلك فان اسرائيل ـ هي الاخرى ـ في صراع مع الزمن لإرهاق حماس واستنزافها الى اقصى درجة، والعمل على شل قدراتها وفعاليتها. والحرب بين الطرفين ستكون بلا شك ضارية ودموية.

كلا الطرفين يسعى ليس لكسب المعركة بالضربة القاضية وإنما بتسجيل النقاط التراكمية. «حماس» بإرادتها القوية على الاستمرار والنهوض، واسرائيل بما تمتلكه من التقنية المتفوقة. لكن يجب القول ان التقنية لم تكن يوما نداً لقوة الإرادة، ولم تكن قوة دولة اقدر من قوة شعب. صحيح ان الصواريخ قد تنال من الفلسطينيين في لحظة ما، لكن التقنية لم تكن تطال اكثر من الجسد والجدار والسيارة. اما الروح والفكرة فإنهما تحلقان بعيدا، وهما الاقدر على ان تنتعشا بعد ان يتحول الصاروخ الى مجرد «حديدة» غير ذات قيمة. - الشرق الأوسط -