لم أتفاجأ بإعلان شارون أنه لم يعد ملتزماً بوعده للرئيس جورج بوش، بعدم التعرض للرئيس أبو عمار، فهو رجل المفاجآت أولاً، وهو لم يتعرض للرئيس الفلسطيني، طوال الفترة السابقة، ليس بسبب وعده للرئيس الأمريكي، بل لأنّ صانعي القرار الأمني لم يوافقوا على أي تصرف ضد أبو عمار، يمسّه جسدياً، لما لذلك من تداعيات واسعة في الساحة الفلسطينية والعربية، وقد نشرت الصحف الإسرائيلية، ذات يوم، حواراً بين موفاز وشارون، التقطه التسجيل الذي ظنوه مغلقاً، تحدث فيه شارون عن إبعاد عرفات بعد القيام بتخديره بالوسائل العلمية الحديثة.
ثمة نقاش صاخب في أوساط صانعي القرار الأمني: المخابرات الداخلية (الشاباك)، والموساد، والإستخبارات العسكرية (أمان) وهيئة التخطيط الإستراتيجي التي عادت لها قوتها المفقودة مؤخراً، وهيئة الأمن القومي، التي تضاءلت أهميتها طوال الفترة السابقة، بسبب خلاف رئيسها السابق مع شارون. محور النقاش حول التعرض لأبو عمار، إنتهى إلى أن إبعاده، لن يقل خطراً عن بقائه في المقاطعة، لأنه سيبدأ مسيرة تحريض العالم كله، ضد إسرائيل، وسيكون، حسب زعمهم، قادراً على تحريك العمليات بشكل أوسع نطاقاً من أي وقت سابق.
وانحصرت الخيارات بين تصفيته جسدياً، أو عزله تماماً في المقاطعة وقطع كل اتصال معه، وحدثت هذه النقاشات، في ظلّ تعهد شارون للرئيس جورج بوش، واتخذ المجلس الوزاري المصغر قراره قبل بضعة شهور، بالتخلص من أبو عمار من حيث المبدأ، وترك التفاصيل لحدوث عملية نوعية كبرى في إسرائيل. وأظن أنهم ينتظرون مثل هذه العملية ليتصرفوا في ظل أوضاع انفعالات صاخبة، إذا سقط عدد كبير من مواطنيهم فيها، وسيكون لديهم صمت أمريكي وربما عالمي، على أي تصرف، ولهذا يجب أن يعلم من يخططون لعملية من هذا النوع، إن كانوا يخططون، أنهم سيكونون مسؤولين عن حياة الزعيم الفلسطيني، مهما كانت وتكون التبريرات.
وأعود للتهديد الأخير، وأرى أنه يمثل درجة قاتلة من قصر النظر السياسي، ففي ظلّ ورطة بوش في العراق، وحاجته الماسة لتخفيف العداء العربي الهائل، لسياساته، العداء الشعبي الذي يجر معه لشيء من العداء الرسمي، ولو لإمتصاص النقمة، في ظلّ وضع من هذا النوع، فإنّ آخر ما يحتاجه بوش هو عمل أحمق من حليفه الإستراتيجي، يؤدي لإشعال المنطقة برمتها، على المستوى الشعبي، والشعوب تشعر بالإستفزاز وتحتاج لعود ثقاب فقط، حتى تشعل المنطقة، والشرق الأوسط منطقة حبلى، على الدوام، بالمفاجآت غير المرئية وغير المحسوبة، لأنها منطقة غير مستقرة سياسياً وإجتماعياً واقتصادياً. التيار الإسرائيلي الذي ينادي بالسلام مع العرب، يقف في عمق فلسفته لهذا التوجه، ضرورة التوصل للسلام في الحالة العربية القائمة: حالة الضعف والتفكك، وذلك قبل حصول حالة التغير والنهوض المفاجئ، غير المتوقع، والذي قد تتغير معه السياسات وموازين القوى، وقد كانت فلسفة حزب العمل لتبرير اتفاق أوسلو، هي أنه من الضروري بمكان، التوصل لسلام مع الفلسطينيين وهم في هذه الحالة من الضعف، كما كان وضعهم بعد حرب الخليج الأولى عام 1991م، لأن البديل سيكون صعود القوى المتشددة لقيادة المنظمة، وعندها تضيع الفرصة. ثمة تيار إسرائيلي آخر يرفض السلام مع العرب، من المنطق المقابل، فهو يرى أن العرب دخلوا مرحلة الإنحدار التي قد تستمر قروناً من الزمن، ولهذا يقبلون اليوم ما رفضوه بالأمس، وسيقبلون غداً ما يرفضونه اليوم، وفي النهاية سيقبلون السلام مقابل السلام.
لقد صّعد شارون من لهجته مع اقتراب استفتاء الليكود، خلال أيام، خاصة أن رسالة بوش له لم تحدث تغييراً كبيراً في أوساط جمهور الليكود، ليس لأنهم قد تربوا على التطرف فقط، بل لأنهم قرأوا الرسالة جيداً وعرفوا أنها لا تحمل ضمانات بالغ فيها شارون. لإعتبارات تكتيكية، وقد صببنا الزيت في طاحونته، حين قمنا نحن أيضاً بالمبالغة في الرسالة، ولهذا يقول لهم شارون، انظروا إلى الفلسطينيين الذين فهموا الرسالة أكثر منكم.
نحن نُغرق الموقف السياسي بالعواطف والمبالغات وينحسر بالتالي أي تحليل علمي للحوادث والأحداث.
ربما تحمس شارون لمثل هذا الطرح الأحمق، حين لم تكن هناك ردود فعل انتقامية بعد مقتل الشيخ أحمد ياسين، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، واعتقد أن الخلاص من عرفات، سيمر في نفس الطريق، وربما يقوم بعمل ما، ذات طابع تلفزيوني صارخ، قبل الثاني من آيار: موعد استفتاء الليكود، إذا بقي التعادل قائماً بين المؤيدين والمعارضين لحظة الإنفصال أحادي الجانب، لأن فشل الإستفتاء سيعني، انتهاء حياته السياسية، مهما حاول المناورة.
كلمة أخيرة في هذا المقال، لا بد من قولها، وهي أن السياسات الفلسطينية رداً على رسالة بوش لشارون، ورداً على تهديدات شارون ضد أبو عمار، تتسم بدرجة عالية من العاطفية، بعيداً عن الحسابات السياسية، ماذا يعني اشراك حماس في اجتماعات اللجنة التنفيذية، ومغازلة القيادة العامة وجماعة أبو خالد العملة ومغازلة الصاعقة للعودة للمنظمة، وماذا يعني إشراكهم في وفد فلسطيني لقمة العرب. أليس في ذلك دفعاً للمترددين في أوروبا وفي الإدارة الأميركية وفي روسيا وفي الكثير من دول العالم ليحسموا أمرهم ضد القيادة التي تتجه نحو مزيد من التطرف حسب رأيهم، بحيث لا يستطيع أحد مساعدتها، طالما أنها لا تساعد نفسها. فالعالم يساعد أولئك الذين يساعدون أنفسهم، سيكون ذلك مقبولاً ومرحباً به، لو حدث تغيير حقيقي في سياسات هذه القوى، وأعلنت التزامها بالعمل في إطار منظمة التحرير وبرنامجها السياسي المعلن والمعروف مع استمرارهم في كونهم معارضة داخل الإطار الرسمي للمنظمة. هم يقولون، أن عرفات اقترب من طرحهم المتشدد ويقولون إنه لم تعد هناك أوسلو ولم يعد هناك حديث جدي في التسوية السياسية، ولهذا فإنّ المنظمة هي التي اقتربت من طرحهم السياسي، وليس العكس.
هل هذه هي الحقيقة أم أنّ الأمر محصور في إطار العلاقات العامة، وفي إطار سياسات ثأرية وانتقامية. إن كانّ الثأر سياسة من الأساس. - الأيام -