ثمة عامل محوري يتم التغاضي عنه عند التصدي لظاهرة الارهاب، برغم وضوحه، وهو التلازم بين استمرار الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية وفشل الجهود الغربية في اطار الحرب ضد الارهاب. ولقد حان الاوان ان يكتشف الساسة الامريكيون خصوصا والغربيون عموما ان ثلاثة اعوام من الحرب التي لا هوادة فيها ضد الارهاب الدولي لم تؤد الي النتائج المطلوبة، بل ربما ادت الي عكس اهدافها. لقد رفض الغربيون التعاطي الجدي مع جذور الارهاب واسبابه، واكتفوا بسياسة من شأنها تشجيع الظاهرة بدلا من احتوائها، لانها تتعاطي مع ظواهر المشكلة وليس مع جوهرها. وقد انفقت الولايات المتحدة حتي الآن اكثر من 170 مليار دولار في الحروب التي خاضتها في الاعوام الثلاثة الماضية، وما يزال الارهاب يطل من كل زاوية ويهدد الآمنين في كل مكان. وعدم التصدي لجوهر المشكلة سوف يؤدي بشكل مؤكد لازمات داخل المجتمع الغربي نفسه، بسبب الاجراءات الصارمة التي اتخذت تحت عنوان مكافحة الارهاب. وما السعي لتطبيق القوانين التي وضعت لمكافحة الارهاب في بريطانيا مثلا، علي الناشطين في حقل الدفاع عن حقوق الحيوان، الذين يمارسون اعمال عنف ضد المؤسسات التجارية التي تتهم بعدم احترامها لحقوق الحيوان، والاجراءات الاخري التي تحاصر الحريات العامة، الا مؤشرات علي عمق الازمة. كما ان الاستمرار في اصدار قوانين اضافية جديدة للتصدي للظاهرة الاسلامية عموما، من شأنه ان يدفع الامور الي طرق مسدودة، الامر الذي يؤدي الي المزيد من التطرف واللجوء الي العنف وبالتالي تعميم الارهاب كأسلوب لمواجهة المؤسسات السياسية الغربية التي تصدر تلك القرارات والاجراءات. واذا لم تتوصل السلطات الغربية عموما، والامريكية بشكل خاص، حتي الآن الي استيعاب النتائج السلبية لسياسات الرئيس جورج بوش في السنوات الثلاث الماضية في مجال مكافحة الارهاب، فسوف تتواصل التراجعات الناجمة عن تلك السياسات، وتتعمق ظاهرة العنف السياسي في العالم.
العامل المحوري الذي يتم التغاضي عنه او التقليل من شأنه في المعادلة الحساسة الحالية ينطلق علي اساس وعي العلاقة اللازمة بين استيعاب موقع المشكلة الفلسطينية وفشل الحرب ضد الارهاب. وللتوضيح يمكن القول ان رفض الغربيين استيعاب دوافع العرب والمسلمين لتأييد الكفاح المسلح ضد الاحتلال الاسرائيلي، يمثل مشكلة حقيقية للاستراتيجية الغربية بسبب ما يترتب علي ذلك من اجراءات تساهم في التأسيس للمزيد من العنف والتطرف. فليس سرا القول بان هناك ما يشبه الاجماع بين العرب والمسلمين علي دعم نضال الشعب الفلسطيني في سبيل استرجاع ارضه وحريته، والتصدي للسياسات الصهيونية التوسعية، وهنا تكمن مشكلة المؤسسة الغربية في تعاطيها مع هذا الموقف. والعمليات الانتحارية (او التي يصفها القائمون بها بالاستشهادية) التي تمارس ضد قوات الاحتلال توفر مادة للاختلاف العميق بين المنظورين الغربي من جهة والعربي الاسلامي من جهة اخري. واصرار الغربيين علي ربط من يوافق علي تلك الاعمال بالارهاب يمثل عاملا اساسيا لفشل مشروع الحرب ضد الارهاب. وقد تجسد ذلك في الاسابيع الاخيرة عندما شنت حملة رهيبة ضد الشيخ يوسف القرضاوي اثناء زيارته العاصمة البريطانية، بتهمة تشجيع الارهاب. هذه التهمة تقوم علي اساس بسيط وهو ان الشيخ القرضاوي لا يعترض علي العمليات الانتحارية ضد قوات الاحتلال الصهيوني. وهذا الموقف، يعني في منظور بعض الاطراف الغربية الواقعة تحت تأثير النفوذ الصهيوني، دليلا واضحا علي دعم الارهاب، وبالتالي تشن الحملات تباعا ضد علماء المسلمين ومؤسساتهم. ربما حان الوقت للغربيين لادراك استحالة تحقق ذلك. فما دام هناك احتلال اسرائيلي للاراضي الفلسطينية فسوف يستمر الدعم العربي والاسلامي لكفاح الشعب الفلسطيني في سبيل استرجاع اراضيه. هذا في الوقت الذي اكتفي الساسة الغربيون بمشاهدة مناظر استقبال رئيس الوزراء الاسرائيلي، المستوطنين الجدد الذين ذهبوا للاستيطان في فلسطين قادمين من فرنسا، وكأن حقهم في فلسطين أمر محسوم لا يحق لأحد التدخل فيه او مناقشته. هذا في الوقت الذي تصر فيه قوات الاحتلال علي رفض مبدأ عودة اللاجئين الفلسطينيين الي اراضيهم ضمن اتفاقات السلام المزمعة.
ان الاصرار علي ربط دعم النضال الفلسطيني بالارهاب عامل خطير، من شأنه ان يفشل مشروع الحرب ضد الارهاب لاسباب كثيرة. فاستهداف الرموز الدينية والسياسية الداعمة للنضال الفلسطيني اصبح سببا لحالة الاستقطاب التي تزداد رسوخا بين العالمين، الغربي والاسلامي، وهو استقطاب خطير يقضي علي كل ما تم انجازه من محاولات للتفاهم في اطار مشروع حوار الحضارات . فاذا كان اشخاص مثل القرضاوي وهو يمثل في نظر اغلب المسلمين، اتجاها معتدلا في الفكر الاسلامي، يستهدفون بسبب مواقفهم الداعمة لنضال الشعب الفلسطيني، فلن يكون هناك من يقف مع الامريكيين في حربهم ضد الارهاب، والمنتصر الوحيد من كل ذلك هم المتطرفون من كل الاطراف. ومن نتيجة هذا الموقف الغربي ان اصبحت المؤسسات الاسلامية في الغرب عموما موضع شكوك متواصلة من قبل اجهزة الامن، بتهمة دعمها للارهاب، وهي تهمة من شأنها تعميق حالة الاستقطاب التي تصنع التيارات المتطرفة والعنيفة. والتعاطي مع المسلمين والمؤسسات الاسلامية علي اساس موقفها من القضية الفلسطينية ورفض الاعتراف بـ اسرائيل لا يخدم المصالح الغربية عموما لانه يحول دون نجاح مشروع الحرب ضد الارهاب. فقبل ثلاثة اعوام، عندما حدثت تفجيرات 11 ايلول (سبتمبر) كانت القاعدة مجموعة صغيرة من المتطرفين الذين اتخذوا من افغانستان وجبالها منطلقا لاعمالهم، ولم يحظوا بدعم من الغالبية العظمي من المسلمين. وما يزال هناك رفض اسلامي عام للارهاب الاعمي الذي يستهدف الجميع ولا يميز بين المذنب والبريء، ولكن السياسات الغربية الحالية من شأنها ان تدفع بالمزيد من الشباب الي احضان التطرف والعنف. فعندما يتواصل استصدار القوانين التي تستهدف المسلمين عموما، وتسعي لمحاصرة الاسلام كدين قادر علي جذب الناس اليه، فان الوضع سوف يزداد استقطابا لغير صالح الغربيين، وسوف يصبح تجنيد الشباب اليافعين لاعمال انتحارية عبثية امرا يسيرا. وما يحدث في العراق اليوم يؤكد ذلك. والا فكيف يمكن تفسير الاعتداءات المتواصلة ضد المدنيين من العراقيين، واستهدافهم بعمليات انتحارية؟ ربما يمكن فهم دوافع بعض الشباب للتضحية بانفسهم ضد من يعتبرونهم محتلين مثلا، ولكن كيف يمكن تفسير استجابة شاب في مقتبل العمر للقيام بعملية يقتل فيها وتستهدف عربا ومسلمين مثله؟ أليس ذلك أمرا محيرا للعقول والافهام؟ المشكلة ان هذه الظاهرة تزداد توسعا، وبالتالي فهي تثير القلق العميق لدي العلماء والمثقفين لانها وبال علي الجميع. فبينما كانت العمليات الانتحارية تحدث بين الحين والآخر، علي فترات متقطعة، اصبحت تمارس بشكل يومي وفي ساحات متباعدة. وقد كشفت التفجيرات التي حدثت في اوزبكستان خطورة انتشار هذه الظاهرة وتجاوزها الحدود الجغرافية والعرقيـــة والدينية.
التعاطي الغربي مع ظاهرة العنف السياسي المتطرف لم يتسم بالحكمة والتعقل، بل كان ردة فعل هائجة تتواصل بدون مكابح تمنعها هي الاخري من التطرف في صياغة القوانين والاجراءات. فقد اصبحت المؤسسات الاسلامية مستهدفة بشكل واسع، واصبحت الشكوك تحيط بتلك المؤسسات التي يقتصر نشاط اغلبها علي التثقيف الديني ولا تتصدي للاعمال السياسية. فمثلا اعلن الاسبوع الماضي ان السلطات البريطاينة تحقق في نشاطات مؤسستين اكاديميتين بسبب ارتباطهما بالشيخ القرضاوي. قد لا ينجم عن تلك التحقيقات اي اجراء قضائي او قانوني، ولكن استهداف المؤسسات الاسلامية بحجة واهية كهذه من شأنه ان يثير مشاعر الغضب لدي اعضاء تلك المؤسسات والقائمين عليها بدون احراز اي تقدم في مجال مكافحة الارهاب. والمستفيد الاكبر من تلك الاجراءات اصحاب التيارات المتطرفة من جهة واللوبي الاسرائيلي الذي اصبح نافذا في مؤسسات الدول الغربية من جهة اخري. وهذه الاعمال والتصرفات هي التي شجعت المتطرفين علي توسيع خطابهم، ورفع شعارات بان الحرب ضد الارهاب قد تحولت الي حرب ضد الاسلام. ويستطيع هؤلاء الاستشهاد بالكثير من الوقائع التي حدثت في الفترة الاخيرة. فبالاضافة الي استهداف المؤسسات المعروفة باعتدالها والتزامها بالعمل ضمن القوانين الغربية عموما، هناك ظاهرة استهداف الالتزام الديني علي اغلب من صعيد. فاستهداف الحجاب الاسلامي اصبح ظاهرة تزداد اتساعا، منذ ان بدأت في فرنسا. وهناك توجهات خطيرة لمنع الحجاب في المؤسسات التعليمية في بلجيكا والمانيا، وبعض المدارس في بريطانيا. وهناك القوانين التي استصدرت في الاعوام الثلاثة الاخيرة لمراقبة حركة الاموال في المؤسسات الاسلامية، وطرحت مؤخرا قوانين صارمة للتشديد علي ائمة المساجد وممارساتهم وخطاباتهم.
هذا علي الصعيد الغربي. اما داخل البلدان الاسلامية فهناك استراتيجية تغيير مناهج التعليم في العالم الاسلامي، وهي خطة بدأت في التنفيذ في الشهور الاخيرة، بضغوط متواصلة من واشنطن علي البلدان العربية والاسلامية. وتعتقد واشنطن ان مناهج التعليم الحالية هي المسؤولة عن نمو تيارات التطرف والعنف. وقد بدأت بلدان عديدة في تغيير مناهج التعليم الديني لديها، بهدف تغيير عقلية النشء الجديد بعيدا عن التشدد الذي يؤدي الي العنف والاستخفاف بحياة الناس. وقد يكون في هذا شيء من الصواب، ولكن تغيير المناهج لن يقضي علي ظواهر التشدد والتطرف والتكفير والعنف، بدليل ان الغالبية الساحقة من الشباب الذين تعلموا وفق هذه المناهج في كافة البلدان الاسلامية لم يتوجهوا الي العنف والتطرف. فحتي لو تم تغيير تلك المناهج فليس متوقعا القضاء علي العنف والارهاب. كما ان هذه الظاهرة لا تقتصر علي المسلمين الذين ينالون تعليمهم وفق تلك المناهج، بل انها موجودة لدي غيرهم، فالعمليات الانتحارية يمارسها غير المسلمين ايضا، كما هو الحال مع ثوار التاميل في سريلانكا مثلا. وبالتالي لا بد من البحث الواقعي عن دوافع اخري للعنف والتطرف غير مناهج التعليم، فعلمنة تلك المناهج قد تؤدي الي ردود أفعال أخطر. وقد سعت انظمة عديدة في البلدان الاسلامية لتكريس العلمنة بتغيير مناهج التعليم الديني، ولكنها لم تنجح. فتركيا مثلا فعلت ذلك في العشرينات من القرن الماضي، ولكن الشعور الديني اصبح اكثر عمقا بمرور الزمن، والظاهرة الاسلامية في تركيا اليوم تتجاوز في قوتها وانتشارها الكثير من البلدان الاسلامية. وكذلك الحال في ايران التي حاول رضا الشاه ازالة العمق الديني من نفوس ابنائها في الفترة نفسها، ولكن الذي حدث هو عكس ما خطط له الشاه.
وفي تونس، سعي الحبيب بورقيبة لتكريس العلمنة وابعاد الدين عن حياة الناس، ولم تنجح خطته، وفي اندونيسيا حدث الامر نفسه. ومارس الاتحاد السوفييتي سياسة مماثلة عندما احتل الجمهوريات الاسلامية في وسط آسيا قبل ثمانين عاما، واصبحت روسيا اليوم تدفع ضريبة تلك السياسة.
ان من الخطأ الكبير ان تعزي ظواهر التطرف والعنف للمناهج التعليمية فحسب، وان كان لها شيء من التأثير. ولكي تكون الحرب ضد الارهاب فاعلة لا بد من التصدي للاسباب الحقيقية لتنامي تلك الظواهر المقيتة. ومرة اخري يجدر التأكيد علي غياب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية كأسباب لتلك الظاهرة، الامر الذي يستدعي العمل الحثيث للقضاء علي الاستبداد السياسي كخطوة علي طريق مكافحة الارهاب. وبالرغم من رفع شعار الاصلاح السياسي في العالم العربي، يبدو ان الولايات المتحدة تراجعت عن ممارسة الضغوط لتحقيق ذلك الاصلاح. ويعود ذلك لتعمق الشعور لدي الساسة الامريكيين بأن الديمقراطية قد تؤدي الي زيادة الضغط علي الاحتلال الاسرائيلي، وبالتالي فقد يكون استمرار الاستبداد أفضل من الديمقراطية في هذا الجانب. ويلاحظ ان دعاة الاصلاح في العالم العربي هم الاقل حماسا لمسايرة الاحتلال الاسرائيلي، وبالتالي ففي الوقت الذي ترفع فيه واشنطن شعار الاصلاح، فانها تتراجع عنه عندما تضع الاعتبارات الاسرائيلية امامها. وبالتالي فهي تضغط علي الناشطين الاسلاميين المعتدلين بحجة دعمهم للكفاح المسلح ضد ذلك الاحتلال. وما لم يتعمق الشعور لدي الساسة الامريكيين بان الاحتلال الاسرائيلي واحد من العوامل المهمة التي تدفع الي العنف والتطرف في المنطقة، فسوف تبقي الحرب ضد الارهاب محدودة في واقعيتها ونتائجها. ان نجاحها مرتبط بمدي واقعية التفكير الامريكي حول اسبابها. والتطرف الاسرائيلي يحتل موقعا متقدما بين الاسباب التي تؤدي الي العنف والتطرف والارهاب الاعمي. ولكي تحتوي تلك الظواهر، يجدر بالامريكيين وحلفائهم اعادة النظر في تحالفهم مع نظام الاحتلال الاسرائيلي، وقد يكون ذلك أقصر الطرق وأكثرها فاعلية وأقلها خسارة. - القدس العربي -