الاعتداء الأليم الذي تعرض له مؤخرا نبيل عمرو عضو المجلس التشريعي الفلسطيني والوزيرالسابق يحتاج لوقفة إدانة صارمة من الجميع حتي يصبح ما جري آخر ما يمكن أن يسجل من أعمال مستهجنة من هذا القبيل.
نبيل عمرو الصحافي والسياسي الذي ينتمي لهذا الجيل الجديد الذي تبوأ في السنوات الماضية مناصب قيادية هامة في السلطة الفلسطينية يمكن أن تتفق معه أو تختلف ولكن لا يمكن إلا أن تقدر حضور بديهته ولباقة حديثه وسلاسة حجته خاصة عندما يتحدث إلي الصحافة وإلي التلفزيون تحديدا الذي يجيد التفاعل مع قواعد لعبته خاصة مع وسامته ورخامة صوته. إنه باختصار شديد من طينة تحتاجها القضية الفلسطينية تماما كحاجتها للمقاتل الحامل رشاشا وللطفل الذي يرشق حجرا، لكل موقعه ولكل دوره وإسهامه ولا تعارض بينهم وليس من حق أي منهم أن يلغي دور الآخر أو يصادره أو أن يري أي منهم أن النضال يبدأ معه وينتهي معه. البعض ربط بين الاعتداء علي عمرو وبين مشاركة له في برنامج تلفزيوني انتقد فيه، كما قيل، الرئيس ياسر عرفات. هذا أخطر ما في الموضوع فالساحة الفلسطينية كانت علي الدوام ثرية بالسجالات وتبادل الاتهامات التي لم يكن الرئيس أبو عمار شخصيا بمنأي عنها وحتي من قبل أقرب المقربين منه ومن بينهم مؤخرا رئيس وزراءه نفسه الذين يرددون باستمرار أن الخلاف هو معه وليس عليه . وحتي علي افتراض أن نبيل عمرو قدح في الرئيس عرفات شخصيا وبالغ في ذلك وهو أمر مستبعد لما عرف عنه أصلا من توازن واعتدال وحس سياسي ذكي فإن الأمر برمته ليس من الكبائر التي لا تغتفر وقد تحمل عرفات طوال تاريخه من النقد والشتائم والاتهامات ، بل ومحاولات الاغتيال، ما لا طاقة لغيره علي تحمله ولم يشتك أو يتذمر فبأي تفويض يندفع البعض للرد علي موقف سياسي بالضرب والاهانة وإطلاق الرصاص خاصة وأن في ذلك إساءة لعرفات نفسه ولتقاليد الحوار الديمقراطي وحق الاختلاف في الساحة الفلسطينية؟!
ما هكذا يدار الصراع السياسي مع الخصوم ولا حتي الأعداء، وما هكذا تحل الخلافات في أرض محتلة تتوق قريبا لتصبح دولة مستقلة تطمح أن تكون تعددية تصان فيها الحريات والحقوق الأساسية. وإذا ما كان الفلسطينيون يفخرون وهم في المنافي ملاحقون أنهم كانوا دوما يرفضون اللجوء إلي السلاح في قضايا سياسية خلافية فكيف لهم أن يفعلوا ذلك الآن وهم علي أرضهم وأنظار العالم كلها تتصيد عثراتهم وأخطاءهم لتهولها وتنفخ فيها متجاهلة جريمة الاحتلال وممارساته. هذا هو الخط الأحمر الحقيقي الذي لا يجوز لأحد أن يقترب منه ناهيك عن تخطيه لا في العلاقة بين الفصائل ولا داخل الفصيل نفسه . لقد أدان الجميع الاعتداء علي نبيل عمرو وأمر الرئيس عرفات بفتح تحقيق فيه والمطلوب الآن متابعة مثل هذا التحقيق بحرص شديد لكشف ملابسات كل ما جري ومحاسبة كل من وقف وراءه مهما علا شأنه حتي لا يتكرر وحتي يعلم الجميع منذ الآن أن هذا الأسلوب مرفوض بقوة ومدان حتي وإن ادعي الدفاع عن عرفات والثأر له لأن مثل هذا الأسلوب يشوه سمعة القائد ويقضم من رصيده ولابد من رفع الغطاء عمن يختفي وراء هذه اليافطة فيسيئون للرجل والشعب والقضية.
لقد خسر الفلسطينيون رجالا أفذاذا كبارا اغتالتهم إسرائيل وعملاؤها طوال السنوات الماضية وبعضهم ترك فراغا مهولا لم يعوض لحد الآن سواء في مواقع أمنية أو سياسية قيادية أو فكرية والكارثة الكبري فعلا أن يواصل بعض الفلسطينيين هذا النهج ، مهما كانت التبريرات، في الوقت الذي تغتال فيه إسرائيل يوميا عناصر فاعلة وميدانية في المقاومة الفلسطينية.. أما نبيل عمرو فلن يثنيه بالتأكيد ما حصل علي مواصلة الإصداع برأيه، فهذا حقه الطبيعي سواء اتفقت معه أم لا، المهم أن يكون ما جري درسا للجميع قبل حدوث الأسوأ لا سمح الله. - القدس العربي -