بات في حكم المُؤكد، أن هناك اتصالات إسرائيلية فلسطينية حثيثة، قيل انها تبحث في مسائل أمنية، لا في مسائل سياسية. ولعل الجانب الفلسطيني، يستأنس هذه المرة أيضاً، بما استأنس به فريق اوسلو منذ العام 1992 عندما أسعدته فكرة كسر الممانعة الإسرائيلية التامة التابو لإقامة اتصالات علنية مع منظمة التحرير الفلسطينية، ورأي أن فتح مثل هذه الاتصالات، ولو بعيداً عن أعين كاميرات الإعلام إنجازاً. هذه المرة، هناك فريق يكسر الممانعة الشارونية، في إقامتة اتصالات مع ممثلي حكومة شارون، التي لا تري السلطة شريكاً، فيسعد الفريق الفلسطيني، بهذه التطور، ربما دون أن يتنبه الي أن حكومة شارون، بممانعتها للاتصالات، أرادت أصلاً أن تجعل مجرد إعادتها ـ بالنسبة للجانب الفلسطيني ـ هدفاً يسعي اليه الممنوعون من الصرف. وسيكون هناك عنصر آخر، يشجع الطرف الرسمي الفلسطيني، علي الزهو بـ كسر الممانعة الشارونية، وهو أن الأخير أكد، المرة تلو الأخري، أنه سينفّذ خطته، دون إشراك الطرف الفلسطيني، الأمر الذي يبدو معه، أنه يتراجع شكلياً، أما في المضمون، فلا نظنه قد تراجع!

مرة أخري، يجدر التحذير من عملية أخري مقلوبة، تسعي لأن تشتق من الإجراءات الأمنية، صيغة لعملية سياسية، تتسع أو تضيق، بقدر ما تكون التدابير الأمنية، متوافقة، مع خطط مجرم الحرب شارون! ومرة أخري، نؤكد أن تصورات العملية السياسية، التي تفتح الآفاق للتسوية المتوازنة، هي التي ينبغي أن تتأسس عليها إجراءات أمنية، بمعني أن الأولي هي التي تلد الثانية، وليس العكس!

أبو علاء، رئيس الحكومة الفلسطينية، لم يقع حتي الآن، في منزلق التماشي مع متطلبات أمنية إسرائيلية، بذريعة عملية سياسية موعودة، لا نعرف عنها شيئاً، وهذا يُحسب له. ذلك ـ ربما ـ بعد استفادته من تجربة أوسلو ذات الفلسفة المقلوبة، أو بحكم الواقع علي الأرض، حيث بات من الصعوبة بمكان، أن يتوافق الفلسطينيون علي طيْ راية المقاومة، التي رُفعت، جواباً علي انقلاب الإسرائيليين علي العملية السياسية. وبات الاشتراط الموضوعي، لأن يتماشي الفلسطينيون مع تدابير أمنية، وأن يتقبلوها، كاستحقاق، هو عدم العودة سياسياً، الي الفترة بين تموز 2000 و28 أيلول من العام نفسه، عندما انفجرت الانتفاضة الطويلة الثانية، بسبب تغييب إسرائيل للأفق السياسي. فلم يعد أي شيء مهماً، بقدر ما هو مهم، وضوح هذا الأفق السياسي، حتي ولو كنا بصدد الحديث عن ضرورة العودة، الي حالة الانتشار العسكري الإسرائيلي، قبل 28 أيلول 2000!

عندما حذرنا مبكراً، من الثنائية الشيطانية، وهي الفساد والفلتان، كنا نعلم أننا سندفع ثمناً باهظاً، لهذه المزدوجة السوداء، المتداخلة وذات الأسباب المتقاطعة. ففي الفلتان، لا نعرف خيرنا من شرّنا، وفي الفساد نفقد عناصر المناعة، والوئام الاجتماعي، وصلابة الموقف الوطني. وفي الذميمتين، يطل علينا أدعياء نظام وقانون، وأدعياء خير و ثورية . وفي الفساد تحديداً، يطل علينا أدعياء إصلاح، وأدعياء محاسبة وإقصاء، فيما هم فاسدون، وأجدر بالإقصاء!

أمين عام مجلس الوزراء الفلسطيني، د. حسن أبو لبدة، أكد بأن الاتصالات أمنية وليست سياسية. هذا صحيح، علي الأقل لأن المحتلين أنفسهم، يرفضون الاتصالات علي المستويين، وإن كانوا ـ علي المستوي الأمني ـ يتمسكون بالمنطق الاستعلائي السافل، الذي يتفنن في التطلب، وفي تشويه القراءة الواقعية للوضع الراهن، علما بأن المحتلين، يعلمون بأن ما يطرحونه غير ممكن، ويدفعون الأمور، الي تفاقم أزمة السلطة، وأزمة المجتمع الفلسطيني، لكي تصبح كل متطلباتنا، هي استعادة أي نظام، بصرف النظر عن مصير المشروع الوطني!

في هذا الخضم، لا بد من تمسكنا بالممانعة القاطعة، في التماشي مع أية عملية مجهولة الملامح، ذات طابع سياسي ـ أمني. وفي هذا السياق، لا يمكن للنظام السياسي الفلسطيني، أن يظل رهين المحبسين: حصار الرئيس ياسر عرفات، وضعف الحكومة بسبب بعض عناصرها، من الفاسدين والمشبوهين بتهريب الإسمنت للجدار العنصري، مع فقرها التمثيلي، قياساً علي مكونات المشهد الفلسطيني المقاوم، بكل قواه الحية! - القدس العربي -