فرصة ... الكلمة الأكثر ترددا هذه الأيام في تصريحات المسؤولين العرب والأجانب وهم يتحركون في إطار ما يسمي بإحياء عملية السلام في الشرق الأوسط، ومن ضمن آخر من استعمل هذه الكلمة السحرية الجديدة في أدبيات التسوية في المنطقة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني خلال لقائه الرئيس بوش في البيت الأبيض وكل من يوشكا فيشر وزير الخارجية الألماني وأنخيل موراتينوس نظيره الأسباني في زيارتيهما إلي رام الله، وقبل هؤلاء الثلاثة قالها كثيرون غيرهم بمن في ذلك عدد من المسؤولين الإسرائيليين.
و بغض النظرعما إذا كانت فرصة هذه تعني أو تستبطن بشكل أو بآخر أن رحيل الرئيس ياسر عرفات فتح آفاقا أرحب أمام حلحلة الوضع المستعصي منذ ثلاث سنوات علي الأقل أم ليس بالضرورة، فإن الرصد الأمين والدقيق للوضع الإقليمي والدولي يحتاج إلي وقفة صادقة تحدد بالضبط مدي دقة الحديث عن فرصة أو علي أقل تقدير تضع الحد الأدني من المتطلبات التي يصبح معها الإشارة إلي فرصة كلام له ما يبرره فعلا وليس تعبيرا عن أماني أو في بعض الحالات عن نوع من التشفي المغلف في عرفات حتي وهو بين يدي ربه... إذا كان كل ما فعل بالرجل لم يشف فعلا غليل قوم حاقدين.
لنعترف بداية أن هذه الفرصة علي فرض أنها كذلك عن جد، سواء كانت مواتية أو تاريخية حسب الاستعمالات، فرصة تختلف في مضمونها وسياقها من فريق إلي آخر. الفرصة بالنسبة إلي إسرائيل لا تعني شيئا آخر سوي فرصة فرض التصور الإسرائيلي للتسوية علي الفلسطينيين بعد أن أزيحت العقبة الكأداء المتمثلة في عرفات الذي لم يكن فقط القادر علي توضيح وإعلان الحد الأدني المقبول فلسطينيا مسترشدا بحس شعبي عال جدا لم يخب في الغالب، وإنما كان أيضا الوحيد الذي يملك الختم الذي يمهر به تحرك أي مسؤول فلسطيني في عملية التسوية فيسجل به عبارة مقبول أو مرفوض، وبهدي من هذا الختم تحدد المواقف وتصطف الجماهير : هذا وطني وهذا غير ذلك!!. وبغياب هذا الختم وصاحبه تعتقد إسرائيل، وعلي الأرجح تتوهم، في أن ذلك سيتيح المجال واسعا أمامها للتعامل مع من يريد من الفلسطينيين التفاعل مع أطروحاتها بعيدا عن سطوة الختيار الذي أحبه شعبه لأنه أحبه وأحبه لأنه لا يحب أعداءه، كما قال الشاعر الكبير محمود درويش في وداعه .
الأمر أيضا فرصة بالتأكيد أمام واشنطن للاعتبارات الإسرائيلية ذاتها فعبارة غير ذي صلة التي رفعتها واشنطن وإسرائيل في وجه عرفات فنغصت بها حياته وإن لم تنجح فيها بالكامل سواء والرجل محاصر في المقاطعة، أو حتي وهو يحتضر في باريس أو مسجي علي عربة في القاهرة، لم تعد الآن ذات صلة هي الأخري. ومع ذلك فهذه الفرصة لم ير معها جورج بوش مناسبا سوي إعلان بشراه بأن الدولة الفلسطينية المنشودة ستري النور خلال فترة رئاسته الثانية راميا بذلك وبمفرده ودون تنسيق مع أحد موعد قيام الدولة من 2005 حسب خطة الطريق إلي موعد مفتوح يصل مداه إلي 2009 إذا افترضنا أصلا صدق النية والعزم.
الفرصة الحقيقية وليس المغشوشة هي فعلا اليوم أمام الفلسطينيين أولا والمجتمع الدولي ثانيا: الفلسطينيون حتي يثبتوا من خلال وحدتهم أن ما دافع عنه ياسر عرفات ومات من أجله مشروع وطني يصطف وراءه الجميع حيا وميتا، أما المجتمع الدولي وأساسا القوي الفاعلة فيه كالاتحاد الأوروبي حتي يقف أخيرا عند الحق من الباطل في تعامل الولايات المتحدة وإسرائيل مع التسوية ليدرك، إن لم يكن أدرك بعد، من هو العقبة في حقيقة الأمر. وبغير هذين العاملين يصبح الحديث عن فرصة حديثا بالمعني اللبناني العامي للكلمة. الفرصة هناك معناها الإجازة. وفي حالتنا هذه ستكون إجازة مفتوحة!! - الحياة اللندنية -