لن تتغير طبيعة الاحتلال الاسرائيلي بين ليلة وضحاها. ولن تتغير الدموية التي تعتمدها حكومة شارون في التعامل مع الفلسطينيين. وما دام الامر كذلك، يصعب التشكيك في حق الفلسطينيين في مقاومة هذا الاحتلال، والدفاع عن انفسهم في مواجهة دمويته. هذه المعادلة تبقى صحيحة ما دامت تستند الى حسابات الربح والخسارة، خصوصا بالنسبة الى الجانب الفلسطيني. لا يستطيع عاقل ان ينفي المعطيات الجديدة في الوضع الفلسطيني، والمرتبطة برحيل ياسر عرفات والتبدلات التي ستنتج عن انتخابات رئاسة السلطة وبعدها الانتخابات التشريعية والمحلية ومؤتمر «فتح». واذا كانت المغالاة في التفاؤل بامكان تحريك الحل الفلسطيني، كما بدت في الاسابيع الماضية، لا تجد ما يبررها فعليا، فإن ذلك لا يعني ان الوضع الفلسطيني ما يزال على حاله، وتاليا ينبغي الاستمرار في السياسات والممارسات السابقة.

تمكن «ابو مازن»، خلال اسابيع قليلة ان يعيد الكثير مما انقطع في العلاقات الفلسطينية - العربية، عبر مبادرات لم تكن القيادة السابقة قادرة عليها، لاسباب تاريخية وشخصية ايضا. واذا كانت الرياض والقاهرة حافظتا في السابق على كونهما الملجأ الاخير للقيادة الفلسطينية، وحافظتا دائما على الود المتواصل معها، فإن الجولة الحالية التي قادت القيادة الفلسطينية الى دمشق وبيروت والكويت، تعني إزالة العقبات الاخيرة امام التطبيع الفلسطيني - العربي. وذلك على اساس ان الخلافات التي ستستمر بالضرورة ينبغي ألا تدفع الى العداء. وهذا مكسب كبير للسياسة الفلسطينية، ومدخل ضروري لخدمة اغراضها.

في الوقت ذاته، وبغض النظر عن المواقف المناهضة لاتفاقات اوسلو وما تلاها وبغض النظر عن الممارسات الاسرائيلية، سيتوجه الفلسطينيون الى صنادق الاقتراع في التاسع من الشهر المقبل. الفصائل الاسلامية دعت الى مقاطعة هذه الانتخابات لكونها ترفض الاعتراف بكل ما نتج عن اوسلو. لكنها لم تدع الى إلغائها، لانها تدرك ان هذا الشعار لن يجتذب احدا، في الوقت الذي يجمع الفلسطينيون اولا، ومن ثم دول العالم، على ضرورة ان تكون القيادة الجديدة للسلطة منتخبة.

وقد سجل «ابو مازن»، هنا ايضا، نقطتين ايجابيتين تحسبان له. الاولى تتعلق بالاجماع عليه داخل «فتح»، خصوصا بعد الانسحاب النهائي لمروان البرغوثي من السباق، مع ما يعنيه ذلك من ان الذي يعتبر «ضمير الانتفاضة الثانية» يدعم السياسية التي يكرر رئيس منظمة التحرير التمسك بها، بما يعطيها دفعة «وطنية»، لن تكون الفصائل الاخرى قادرة على انتزاعها بسهولة. النقطة الثانية تتعلق باستمرار اعلان «ابو مازن» الترحيب في اي ترشيح، معتبرا ان صوت الناخب هو الذي ينبغي ان يحسم المنافسة، وليس الترتيبات الجانبية. وهذا يعني اثراء فعلي للتجربة الديموقراطية الفلسطينية الفتية.

في هذا الاطار، يمكن التوقف عند عملية رفح الاخيرة. لكن التبرير ينبغي ان يتجاوز مجرد وجود الاحتلال ومقاومة جنوده. لقد استهدف التفجير المعبر الوحيد بين قطاع غزة ومصر في الوقت الذي تحاول القيادة الفلسطينية والمصرية ايجاد الصيغ الملائمة لجعل خطة الانسحاب الاحادي جزءا من ترتيب منسق مع السلطة، وفي اطار «خريطة الطريق». وفي هذا المعنى يمكن الاشتباه بان ثمة استهدافا لهذه المحاولات، ومعها الدور المصري الذي لا يستطيع الوضع الفلسطيني الراهن، بما فيه الفصائل الاسلامية، الاستغناء عنه.

وجاء التفجير، بالتزامن مع وصول «ابو مازن» الى الكويت، بعد دمشق وبيروت، في مسعى اكمال المصالحة الفلسطينية - العربية وضمان حد من الدعم المالي للسلطة شبه المفلسة. وعندما تسرع اسرائيل الى استغلال التفجير، لاتهام السلطة بعدم السعي الى منع مثل هذه الهجمات، وتهددها باحتمال عرقلة الانتخابات، فهذا يعني انها تستهدف «ابو مازن» في الدرجة الاولى. وتسهل الاعمال غير المحسوبة، بزمانها ومكانها، مثل هذا الاستهداف. - الحياة اللندنية -