حين حضر الوفد الفلسطيني الى لبنان، بدا واضحاً ان ثمة تغيّراً في المشهد العام. فالألبسة المرقطة والعيارات النارية وبيانات «الفصائل» أخلت المكان، أو كادت، لإشارات ورموز وأقوال أخرى. وهذا، والحق يقال، مفيد للصورة الفلسطينية ومطمئن للبنانيين.

وحين يُقال «مفيد»، يكون المقصود مجموعة من القضايا بعضها يتصل بفلسطينيي لبنان الذين يعانون من الأوضاع البشعة وشبه العنصرية، وبعضها يتصل بالقيادة الفلسطينية الجديدة المطالَبة بتقديم صورة للعالم الخارجي غير تلك التي كانت تقدمها «الفصائل» وقادتها، الكبار منهم والصغار.

وحين يقال «مطمئن»، يكون المقصود تلك العلاقات الأهلية المثيرة للأحقاد والريبة بين الشعوب والجماعات. فقد عاش لبنان، كما هو معروف، حرباً فلسطينية - مارونية وأخرى فلسطينية - شيعية وثالثة فلسطينية - سورية خلّفت مجتمعة عدداً من الروايات المتضاربة للتاريخ وأحداثه، كما أسست لعواطف أبعد ما تكون عن «الأخوية» التي توصف بها.

وما بين إلحاحي التغلّب على المشاكل الإنسانية، أقلّه الإنسانية، لفلسطينيي لبنان، والتغلب على السلاح الذي في المخيمات، سيُناط دور كبير بتحسين الصورة الفلسطينية وطمأنة اللبنانيين، كما بتحسين الصورة اللبنانية وطمأنة الفلسطينيين. والشيء نفسه يمكن قوله في سلوك القيادة الجديدة حيال الكويت، وهو ما تجسّد خصوصاً في الاعتذار عن الموقف الذي اتخذه الرئيس الراحل ياسر عرفات من الغزو الصدّامي للإمارة الصغيرة. ويومها ردّ الكويتيون على الأذى البليغ الذي تعرّضوا له بمثل ما ردّ اللبنانيون قبلهم، فسرت موجة شبه عنصرية تعدّت الكلام الى الاجراءات العملية التي تطاول العمل والإقامة الفلسطينيين.

وهذه الأخطاء المتبادلة بنت عوامل عدة يمكن العثور عليها في العلاقات الأهلية والعصبيّة، فضلاً عن السياسة والاقتصاد وخطط التنمية. لكن ما فاقم الأخطاء تلك ان الثقافة السياسية العربية لم تُعدّ أبناءها للعيش في دول والتصرف كشعوب. فهم «أمة واحدة» و«وطن واحد» و«دين واحد»، غير انهم حين يصطدمون بالواقع الفعلي يتكشّفون عن حسابات أخرى.

وفي وسع القيادة الفلسطينية الجديدة، وهي مؤهّلة ايديولوجياً لهذه المهمة، أن تباشر تأسيس الوضوح السياسي والوطني الذي تتطلّبه قضية الفلسطينيين بقدر ما تتطلّبه قضايا كل واحد من البلدان العربية. ذاك ان الالتباس السابق الذي أراد البعض من ورائه خدمة الموضوع الفلسطيني، جعل الفلسطينيين كبار ضحاياه الفعليين. فكلما كانت هذه الوطنية العربية أو تلك تهمّ ببلورة ذاتها كانت تصطدم بالوطنية الفلسطينية المنظور اليها بوصفها قضية جامعة مانعة.

وان يتعالى «أبو مازن» فوق الجراح ويعتذر، فهذا ما يسمح بتفاؤل غير معهود على جبهة العلاقات العربية - الفلسطينية التي تراوحت بين أخوّة لفظية وعداء واقعي. ولنا أن نمدّ التفاؤل خطوة أبعد فنطمح في يوم تحس معه الشعوب العربية بأن الموضوع الفلسطيني لم يعد سيفاً مسلّطاً على رأس تشكّلها وتقدمها، وتبادر عند ذاك الى الاعتذار من الفلسطينيين عن الكذب الذي كذبت عليهم والتعامل الذي عاملتهم به وبررته بالاصرار على «تحرير فلسطين»! - الحياة اللندنية -