ثمانية مرشحين يتنافسون - حتى الآن - على مقعد رئيس السلطة الوطنية. وهذا العدد من المرشحين يؤكد نوعا من التعددية السياسية والاجتماعية، ويسجل نقاطا ايجابية في المشهد الفلسطيني، كوجود اكثر من مرشح وأكثر من خيار وأكثر من متنافس يطرحون مواقف وبرامج وانتقادات ووعودا. ولكن، هل يبقى المشهد التعددي المريح على حاله عندما ندخل في العمق؟ وعندما تبدأ عملية تمحيص المواقف واختبار مدى جديتها، وعندما توضع البرامج على محمل التطبيق. لا شك في ان جميع الاسئلة ستختصر في سؤال واحد: ما هو الجديد الذي اضافه السيد >مشروع الرئيس للواقع الفلسطيني.
عدد لا بأس به من المرشحين يعلم علم اليقين ان فرصه في الفوز بين ضعيفة ومعدومة، ويعرف ان نجاحه اذا لم يرتبط بقوة سياسية واجتماعية قادرة على حمل مواقفه وترجمتها لا معنى له. لكن المرشحين يغتنمون معركة الانتخابات ليتنافسوا على مواقف في حقلي السياسة والمجتمع، وليمارسوا الضغوط الجماهيرية بغية تحسين الموقف العام وفرض اصلاحات معينة وتعزيز النفوذ السياسي. وبهذا المعنى فإن المنافسة مشروعة وضرورية لتعريف المجتمع بوجود اكثر من خيار، ولممارسة المواطنين رياضة المطالبة والضغط والاعتراض وقول الحقيقة.
موضوعيا، تملك تنظيمات اليسار المنضوية في اطار م.ت.ف مبررا للتنافس على انتخابات الرئاسة. وقد قدمت الانتخابات فرصة ثمينة لمعسكر اليسار الفلسطيني كي يستعيد دوره كمعارضة ديمقراطية لا تستبعد الوصول الى السلطة في قادم الايام، وذلك بعد ان اثبتت التجربة السابقة ان عهد المعارضة اليسارية السابق انعكس ايجابا على وضع التحالف الوطني (م.ت.ف) الذي قادته فتح. وكان افضل بالمقارنة مع عهد المعارضة الاسلامية التي تركت بصمات سلبية على وضع التحالف الوطني الاسلامي وعلى حركة فتح وتكتيكاتها ومواقفها الاجتماعية. وكما يقال، فإن السلطة تكون على صورة معارضتها، فإذا كانت المعارضة تعيش ازمة فإن السلطة والمجتمع يدخلان طور الازمة الاكثر تعقيدا. وخلال العقد الماضي تبلور في المجتمع الفلسطيني قوتان اساسيتان فتح وحماس، ويبدو ان الانتخابات المحلية والتشريعية القادمة ستشهد تنافسا جديا بينهما. ومن اجل خلق حالة من التوازن والاستقطاب القادر على تجاوز الازمة، ثمة حاجة موضوعية لتبلور قطب ديمقراطي، مستقل يتحالف مع فتح على اسس جديدة تتجاوز المحاصصة الفصائلية الشائخة، التي يحتكرها الجهاز الاداري البيروقراطي للفصائل، لمصلحة قوى اجتماعية حية من المفترض ان تلك الفصائل المتجددة تمثلها.
وقبل ذلك، ثمة ضرورة لخروج قوة سياسية تطرح في هذه اللحظة اعادة ربط النضال الفلسطيني بالبعد العالمي وبالنضال المناهض للعسكرة والحرب والهيمنة الاستعمارية والاقتصادية الجديدة وعدم قصره على مطالبة الولايات المتحدة واسرائيل بقبول حل سياسي يقبل به الشعب الفلسطيني، ان رسالة الضمانات الاميركية (وعد بوش) الذي التزم بالحل السياسي المفروض من قبل اسرائيل. واستمرار التعامل مع خطة الفصل الاسرائيلية التي تحول قطاع غزة الى زنزانة، وتحول الضفة الغربية الى زنزانات. كل هذا لا يقود الى حل سياسي او تسوية يقبل بها الشعب الفلسطيني، وهذا يتطلب اغتنام انتخابات الرئاسة لبناء رأي عام فلسطيني يطالب بدمج النضال الفلسطيني بالنضال العالمي ضد الحرب والهيمنة والإفقار وتخريب البيئة. ان عدالة القضية الفلسطينية والنضال الدؤوب والشجاع للشعب الفلسطيني يملكان قدرة هائلة على جذب تأييد ومؤازرة ودعم قوى العولمة الانسانية التي تشكل حماية حقيقية للشعب الفلسطيني ولحقوقه المشروعة في مواجهة الاستفراد الاسرائيلي الاميركي، فهل يبادر اليسار الى عملية الربط؟ وثمة حاجة ملحة لتصليب القاعدة الاجتماعية (عمال، نساء، طلاب، معلمون) للنضال الوطني. تلك القاعدة التي حاول الاحتلال تفتيتها وبترها. وحاولت القوى السياسية والقوى الدينية على نحو خاص ادخالها في حالة من الاغتراب والتحييد والشلل. نعم، مطلوب نضال اجتماعي ديمقراطي ضد الاغتراب والاستلاب، نضال ينحاز للحزب السياسي العلماني والمجتمع المدني كبديل للعشائر والقبائل والجهويات والعائلات. ونضال ينحاز لحق نصف المجتمع بالمساواة في الحقوق والواجبات مع نصفه الآخر. من يستطيع الخوض في نضال اجتماعي صريح دون لعثمة ونفاق وجبن. النساء، العمال، الطلبة، والمقتلعون من الارض بحاجة ماسة لمن يتقدم الصفوف، والمعركة الانتخابية مناسبة للخوض في بحر المجتمع، وملاطمة الامواج. سابقاً، اليسار طرح هذا اللون من النضال وحاول ممارسته، ومنذ عقد من الزمن لم يطرح ولم يمارس، والآن أمامه فرصة لدخول المعركة.
والنضال الاجتماعي الجدي يرتبط بالمشاركة في النضال السياسي الجدي، الانتفاضة. ولأن النضال الاجتماعي >مؤجل< او جرى تجميده، فقد صودر النضال السياسي للقطاعات الشعبية المختلفة، وتوقفت عن المشاركة في النضال، توقفت الانتفاضة الشعبية وأخلت المكان للمقاومة المسلحة، ولنوع محدد من العمليات الاستشهادية التي حولت الشعب الى متفرجين ومنتظرين ومصفقين في احسن الحالات. توقفت الحملات الشعبية الكبرى التي كانت تحدث زلزالاً في العالم وفي داخل اسرائيل، واصبحت العمليات بديلا للعمل السياسي الجماهيري الواسع الذي ينخرط فيه النساء والعمال والطلبة والمزارعون، فمن يستطيع اعادة الاعتبار للنضال السياسي، للعصيان والاحتجاج واشكال المقاطعة التي تشكل الحماية الحقيقية للمناضلين والمقاومين.
اذاً نحن بحاجة لمنافسة في الميدان السياسي وفي مجال النضال الاجتماعي والديمقراطي، وفي مجال اعادة بناء مؤسسات المجتمع، ووضع حد للفساد.
للأسف، لقد فوتت تنظيمات اليسار فرصة خوض انتخابات الرئاسة بمرشح واحد وبرنامج واحد، يضيف لمواقف المرشحين الآخرين الشيء الكثير. وأخفقت في اختيار مرشح وفي الالتقاء على موقف وبرنامج، هم ملتقون ومتفقون عليه كما تشير ادبياتهم، لتكون النتيجة اضاعة فرصة وجولة مهمة في تاريخ الشعب. ولا يمكن تعويضها بنزول مرشح عن بعض التنظيمات اليسارية. وإخفاق اليسار الحالي يرتبط بإخفاقات سابقة، وبأزمة فكرية عميقة، حيث لا توجد قراءة نقدية للماضي والحاضر. ولم تبن تنظيمات اليسار مؤسسات سياسية وثقافية وإعلامية واجتماعية مستقلة. ولم تهتم بالتيارات الفكرية الجديدة وشبكات التضامن الدولية والحركات الاجتماعية والمنتديات الاجتماعية العالمية. انتخابات الرئاسة حلقة مهمة خسرها اليسار مجتمعاً، وهي نذير شؤم لنهاية حزينة اذا لم يتم تجاوزها في حلقة الانتخابات المحلية والتشريعية، فهل يستيقظ اليسار؟!.