لم تكن دوائر صناعة القرارات الشرق أوسطية في واشنطن سعيدة باختراع شارون الجديد، المسمى بالإجراءات أحادية الجانب، كما لم تكن هذه الدوائر سعيدة برغبة شارون بزيارة واشنطن في وقت قريب، ذلك أن الإجراءات أحادية الجانب، تعني استبعاد أي إمكانية جدية لتدخل الطرف الأميركي مثلما تعني، في ذات الوقت، نفي الحاجة للتفاوض والاتفاق مع الطرف الفلسطيني. غير أن عدم سعادة واشنطن، لا تعني أنها تفكر جديا بمعاقبة شارون، أو لجم اندفاعاته المحرجة، فهذا أمر ليس بمقدور الإدارة الحالية الإقدام عليه:

أولا: بحكم تهدئة وتيرة الحركة الاميركية أساسا على المسار الفلسطيني ـ الإسرائيلي، تحت ذرائع كثيرة، لعل مركزها ما تراه واشنطن تقصيرا من الجانب الفلسطيني في أداء التزامات خطة خريطة الطريق.

ثانيا: بحكم التوغل في موسم الانتخابات، حيث الحذر الشديد من كل كلمة أو سلوك بشأن الشرق الأوسط، فلربما يؤدي الكلام والسلوك إلى ردود أفعال تضر بالمصالح الانتخابية للرئيس، في زمن التوازن الدقيق بين الجمهوريين والديمقراطيين. غير انه لا بد من فعل شيء، حتى لو كان سياسة واشنطن حيال الملف الفلسطيني - الإسرائيلي، يقوم على أساس إدارة أزمة لا حلها.. فإن بديهيات إدارة الأزمة تتطلب خطوات محددة تجاه امرين مترابطين:

الأول، السياسة أحادية الجانب التي أعلن شارون عزمه على تنفيذها، إلى أن يجد شريكا على مقاسه تماما من الجانب الفلسطيني.

والثاني: الإعلان عن الاستعداد لإخلاء غالبية مستوطنات غزة، في خطوة دراماتيكية.. تنسب إلى الإجراءات أحادية الجانب، وتهدف كما أعلن شارون، إلى توفير مزيد من الأمن ومزيد من الرفاهية لشعب إسرائيل.

حيال هذين الأمرين، يمكن قراءة سلوك واشنطن على النحو التالي: «تأجيل زيارة شارون، حيث لن تستطيع الإدارة استقباله نظرا للضرر الذي سيلحق بصورتها، سواء أيدت خطواته المناهضة لخطة خريطة الطريق، مما يفقدها مصداقية ضرورية لدى الأطراف الأخرى، أو عارضت حيث الضرر الحتمي على صعيد الانتخابات، إذ ليس مناسبا للإدارة أن يفهم ولو بصورة غير مباشرة، بأن هنالك أزمة من نوع ما مع إسرائيل. وتعويضا عن الاستقبال تم إرسال وفد استطلاعي للقاء شارون، وكان وفدا مدروسا بعناية.. ويليام بيرنز ممثلاً للخارجية، واليوت ابرامز ممثلا للأمن القومي (حامل الملف). وسوف تواصل واشنطن متابعتها لشارون، ولن تتخذ موقفا قاطعا يرفض خطواته أحادية الجانب، غير أنها ستضع شروطا على عدم المعارضة، وأولها أن تتم كل الخطوات الأحادية من الجانب الإسرائيلي تحت سقف خطة خريطة الطريق. كذلك، سوف تظهر واشنطن مزيدا من التشجيع باتجاه إخلاء المستوطنات في غزة، وستحاول تسويق الأمر كما لو انه خطة نوعية كسرت الجمود الجليدي للحركة على المسار الفلسطيني ـ الإسرائيلي. أما الفلسطينيون فسوف يتركز الجهد الأميركي في ما يخصهم، على توفير اجتماع بين قريع وشارون في سياق ما وصفه كولن باول بأنه الخطة الأهم نحو معالجة «الأزمة» الفلسطينية - الإسرائيلية. ووفق منطق إدارة الأزمة أو احتواء التطورات، فإن واشنطن لن تتجاوز حدود الموقف التقليدي طيلة عام الانتخابات، وفي هذه الأثناء سيعمل شارون على فرض أقصى ما يستطيع من حقائق على الأرض، مقابل انه سوف يبطئ، حتما، وتيرة التحرك باتجاه إخلاء المستوطنات، مكتفيا بالأجواء الايجابية التي خلقها إعلان الاستعداد للانسحاب، تاركا أمر التطبيق لحركة البورصة السياسية الداخلية في إسرائيل ومدى استفادته منها.

عبر لقاءاتي العديدة في واشنطن، لمست قلقا مشتركا لدى الجميع، سواء في الإدارة أو مؤسسات البحث أو رجالات الكونغرس، قلقاً من أن خطة شارون إخلاء المستوطنات في قطاع غزة، ستوفر دعما نوعيا للقوى الفلسطينية الداعية إلى استمرار القتال كسبيل وحيد لإرغام إسرائيل على اتخاذ قرارات من هذا النوع. ولا يفوت القلقين تذكر صفقة تبادل الأسرى التي تمت مع حزب الله، أو بصورة أخرى تمت مع حماس اللبنانية، مثلما سيتم الانسحاب من غزة بفعل ضغط حماس الفلسطينية. لم يكن لدينا ما نجيب به حول هذا الأمر غير الموافقة، والترحم على فرصة أبو مازن واستذكار كيف أن شارون من قوض تلك الفرصة! عن الشرق الأوسط