مثلما زحف المستوطنون، الي أراضينا المحتلة، ومعهم جيشهم المدجج بالسلاح، وأقاموا البؤر الاستيطانية، بجوار القري والأحياء السكنية الفلسطينية، التي لا توجد فيها قطعة سلاح واحدة، ثم اختالوا وعربدوا، وتصرفوا كأنهم أبطال طلائعيون، يستعيدون أمجاد ملوك بني إسرائيل، الذين أقاموا مملكات قصيرة العُمر، في جيوب فلسطينية تعرضت لهجرات عابرة؛ فإن هؤلاء المستوطنين أنفسهم، صدقوا أنهم باهرون وأقوياء، بحد ذاتهم، وأن أمريكا نفسها، ليست جديرة إلا بالتعبير عن إعجابها بهم، ولا يجوز أن يكاشفها شارون، بأية خطة، قبل أن يعرض الأمر عليهم. فمن هي هذه الأمريكا، بالنسبة لهؤلاء الباهرين، من عمالقة القرنين، العشرين والحادي والعشرين؟!

يمتشقون السلاح، في المستوطنات بملابس المنهمكين في الحرب. وكأنهم هزموا واستقووا علي جيوش كبيرة تقاتلهم. ينظرون الي القري، والي الناس أصحاب الأرض، من حولهم، باعتبارهم العدو، الذي أثاروا إعجاب الدنيا، عندما ألحقوا به الهزيمة. ولا تراودهم فكرة أنهم مجرد جبناء، يستقوون بجيش كبير، علي شعب أعزل، ويقتلون أطفالاً، ويخنقون حياة شعب، لا يطمح الي أكثر من الحياة والاستقلال، علي أرضه وأرض أجداده!

هؤلاء يتناسون أنهم استمدوا القوة، لممارسة لصوصيتهم وزعرانتهم، من جيش نظامي قوي، ساندهم للعربدة علي قري وديعة، وعلي جيل من الشباب الذين لم يدخلوا معسكرات التدريب، ولم يحفروا خندقاً للقتال، ولم يمتلكوا مدفعاً ولا دبابة، ولا طائرة قتال. فالتشوّه النفسي وحده، هو الذي أمدهم بالشعور بأنهم انتصروا بشكل باهر، في معركة مريرة. هو التشوّه الذي يجعلهم، يهاجمون شارون نفسه، الذي يمثل مشروعهم ويراهن عليه، ويجعلهم يقولون له إن عرض الخطة علي الأمريكيين، قبل عرضها علي مجلس حكومة المستوطنين، لا يجوز. بل إن رئيس حزب مفدال المدعو شاؤول يهلوم، وصف شارون بأنه جبان، ويقوم بعمل غير أخلاقي. فهم يفكرون، من منطلق أن الفضل في وجودهم، وفي تمددهم في الأراضي الفلسطينية، كان لبطولاتهم الباهرة، وليس للجيش النظامي الحديث، المدجج بالسلاح الأمريكي، وبالدعم الأمريكي. ويفترضون انهم يتمسكون بالأخلاق، ومن يحد عن أخلاقهم، ويمس موقعهم، يكون غير اخلاقي وجبانا، ولا ديموقراطيا!

سيكولوجية المستوطن، مريضة وخطرة، تُملي عليه سياسة حمقاء، شديدة السفالة والغباء. فهو يعترض علي إخلاء غزة، ويري أن الصحيح، هو أن تبقي المستوطنات، في عمق هذا الشريط الساحلي، الذي لا يكفي السكان، لدفن موتاهم أو ضخ مجاريهم، كما يري بأن الصحيح، هو أن توضع الأسيجة، والجدران، للفصل بين المدرسة والتلامذة، وبين المزارعين والحقول، وبين المرأة الحامل في شهرها التاسع، ومستشفي الولادة، لكي يبقي هذا المستوطن، آمناً ومستريحاً، يصول ويجول ببندقيته، كأنه محارب شرس، ومثير للإعجاب، أنهي لتوّه الانتصار في معركة، لم تكن فيها موازين القوي لصالحه، ولم يكن لينتصر أحدٌ، فيها، سواه. ومن المفارقات، أن بعض هؤلاء، ممن يعلنون أنهم متدينون، يعارضون الإنخراط في الجيش، في الوقت الذي يتوافرون فيه علي إنتاج أسباب الحرب. ينشدون السلام الشخصي، بعيداً عن الجيش، لكي لا يموتوا، ويريدون حمل البنادق، لكي يقتلوا الأغيار الفلسطينيين. وبدل التسوية، يريدون فرض الأمر الواقع، بقوة الجيش الذي يحرّمون علي أنفسهم، الإنخراط فيه!

نفسية معتوهة، تري نفسها أكثر ذكاء وشجاعة، من رواد الاستيطان الأوائل، وأبعد نظراً من دافيد بن غوريون وغولدا مائيلا، وسائر الذين حكموا قبل العام 1977. وتريد هذه النفسية، من شارون، وهو رئيس حكومة، أن يظل يضبط لغته وخطواته، مع لغتهم وخطاباتهم، مئة في المئة، وإلا فالعقاب له ولأمريكا ولمن يحكمونها!

إن هذا المستوطن المعتوه، المفعم غروراً، والذي لا يري الحقائق من حوله، هو الذي دفع شارون الي بناء جدار الفصل العنصري، بهذا المسار المجنون، الذي لن تُكتب له حياة مديدة. بل إن هذا المستوطن، هو ـ بالضبط ـ المطلوب للراغبين في إدامة أمد الصراع، وتعطيل التسوية، وتبديد الفرص لطي ملف الصراع المسلح. إنه اللازم لفضح سياسة الدولة، التي ولدت بالبطش وبالكذب، وبالتآمر الإستعماري. وهو ضمانة استمرار فتح ملف هذه الدولة، ذات القوة الغاشمة، لمقاومتها. فالمستوطن المعتوه، هو اللازم للحالمين منّا، ممن لا يرغبون في التسوية، أو في وقف مسار الصراع المسلح، لأنه (المستوطن المعتوه) يبرهن علي لا جدوي الكلام عن الحل، وعلي جدوي التشدد والروح الإستشهادية!

عن : "القدس العربي"