خلافا لما تدعيه حول ان رأي محكمة لاهاي غير مهم ولا تكترث به، بدأت حكومة شارون حملة مبكرة ومسعورة سياسية اعلامية قانونية تستهدف اولاً التأثير على مضمون الرأي الاستشاري الذي ستصدره محكمة لاهاي الدولية في التاسع من الشهر الجاري. كما تستهدف ثانياً افشال اية محاولة فلسطينية وعربية لاستخدام هذا الرأي الاستشاري لاعادة طرح موضوع جدار الفصل العنصري على جدول اعمال الجمعية العامة ومجلس الامن لاصدار قرار جديد يؤكد عدم شرعية الجدار ويطالب بازالته.

واذا كانت اسرائيل تعرف ان معركتها خاسرة في محكمة لاهاي الدولية لأنها لا يمكن ان تخرج عن الشرعية الدولية والقانون الدولي، كما تعرف ان معركتها خاسرة ايضا في الجمعية العامة لأنها معادية لاسرائيل وسبق لها ان قررت تحويل الامر الى محكمة لاهاي بأغلبية 130 صوتاً فإن اسرائيل تركز جهودها على اعضاء مجلس الامن وخصوصا على الاعضاء الذين لهم حق الفيتو، وبصورة اكبر على الولايات المتحدة الاميركية، التي سبق ان استخدمت حق الفيتو ومنعت صدور قرار من مجلس الامن بادانته.

ويبدو ان الادارة الاميركية لن تبخل هذه المرة ايضا على اسرائيل، وستقوم باستخدام الفيتو ضد اي مشروع قرار جديد. والدليل على ذلك ان سلفان شالوم وزير خارجية اسرائيل قال بعد لقائه مع كونداليزا رايس ان واشنطن وعدت باستخدام الفيتو، ولم تنف رايس هذا الخبر. وتحضيرا للنجاح بهذه المعركة، وجعلها تمر بأقل الاضرار اعتمدت السياسة او الخطة الاميركية الاسرائيلية على ثلاث مسائل مهمة:

المسألة الاولى: تجديد وتأكيد الوعد الذي اعطاه شارون لبوش في قمة العقبة قبل اكثر من عام، والذي يقضي بازالة البؤر الاستيطانية العشوائية ورغم ان اسرائيل ماطلت مدة عام كامل في اعطاء حتى مجرد قائمة بهذه البؤر، حيث لم تستلمها ادارة بوش سوى منذ عشرة ايام فقط. ورغم ان هذه القائمة اقتصرت على 28 بؤرة من 100 الى 130 بؤرة موجودة فعلاً وينطبق عليها هذا الاسم الذي يعني انها غير قانونية في القانون الاسرائيلي. فالاستيطان كله غير شرعي ولا قانوني حسب القانون الدولي، رغم كل ذلك، فإن الخبرة المستفادة وما افادت به مصادر اسرائيلية متعددة يشير ان حكومة شارون لن تفي بوعدها بازالة هذه البؤر، بل هي تفاوض ادارة بوش على اقتصار الازالة على عدد اقل من 28 بحيث تبقى البؤر الاستيطانية العشوائية الكبيرة وتلك التي على ازالتها تبعات قانونية حسب القانون الاسرائيلي.

ان مجرد التفكير ان تقديم طعم رخيص وبائس يتمحور حول ازالة بعض البؤر الاستيطانية يكفي لتضليل العرب او لسكوتهم او لحرف انظارهم وانظار العالم يدل على ان حكام واشنطن وتل ابيب لا يقيمون اي وزن للعرب ولا لاصدقائهم العرب ويستهترون بالعالم كله، ففصول المسرحية الهزلية التي تحمل عنوان ازالة البؤر الاستيطانية بالنهار امام عدسات التصوير، وعودتها بالليل لم تعد تنطلي على احد، وتكرارها الآن لن يخدع احداً.

المسألة الثانية: التلويح بامكانية استئناف المفاوضات والاعتراف مجددا بالشريك الفلسطيني وذلك من خلال تسريب خبر رددته الاذاعة الاسرائيلية مرارا وتكراراً يتحدث عن التحضير لعقد لقاء رباعي في شهر تشرين الاول والثاني القادم، وذلك لاقناع العرب والفلسطينيين تحديداً، بأن لديهم ما يخسروه اذا مضوا بعيداً في معركة مقاومة الجدار واذا اصروا على طرح المسألة مجدداً على مجلس الأمن. وهذا الطعم الرخيص ايضا لا يكفي، لأن اللقاء المقترح اذا عقد اصلاً، سيتركز على البحث في تفاصيل وانجاح خطة شارون للانفصال من جانب واحد، وليس مخولاً للتفاوض او للبحث في اي موضوع آخر، وهذا يجعله بلا قيمة للفلسطينيين وفائدة خالصة لاسرائيل.

المسألة الثالثة: توظيف قرار محكمة العدل الاسرائيلية القاضي بتعديل مسار الجدار حول بعض المقاطع حول القدس كدليل على عدم الحاجة لتدخل محكمة لاهاي الدولية، وعلى ان القانون الاسرائيلي فعال ونزيه وعادل، ويكفي لمعالجة اية آثار ضارة تنجم عن اقامة الجدار وتلحق بالفلسطينيين، وهنا يتم القفز عن ان المطلوب هو ازالة الجدار لا تعديل مساره. ان اسرائيل تحاول ان تكسب معركة الرأي العام الدولي من خلال التخفيف من معاناة الفلسطينيين بسبب اقامة الجدار. ولكن الطبع غلب التطبع، فشارون رغم اعلانه وتأكيده انه سيحترم قرار محكمة العدل الاسرائيلية قال ان المحكمة يمكن ان تقبل المسار الحالي للجدار اذا تبين لها عدم وجود مسار آخر، وهذا يفتح الباب امام عدم تطبيق قرار محكمة العدل الاسرائيلية على اساس ا ن المصالح الاسرائيلية والامن الاسرائيلي اهم واعلى من الفلسطينيين او من جودة حياتهم.

ان قرار محكمة لاهاي، او رأيها الاستشاري مهم جداً، ويمكن ان يشكل منعطفاً في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، لأن هذا الرأي اذا اكد مجددا ومن اعلى محكمة قانونية قضائية في العالم على ان الاحتلال باطل وغير شرعي ولا قانوني، ويجب ازالته، وان ما بني على باطل (الجدار) غير شرعي ولا قانوني، ويجب ازالته، فهذا رأي له قوة القانون، ويوفر سلاحا معنويا وقانونيا وسياسياً في منتهى الاهمية في ايدي الفلسطينيين يساعدهم على الانتصار في معركتهم ضد الجدار ولانجاز الحرية والاستقلال فاذا تحقق النصر في وقف الجدار وهدمه، سيكون ذلك خطوة كبرى على طريق دحر الاحتلال.

تأسيساً على ما تقدم، يجب خوض معركة الجدار بكل قوة، وبثقة اكيدة بالنصر، واغتنام الايام القادمة حتى صدور الرأي الاستشاري في التاسع من الشهر الجاري فرصة لايصال مقاومة الجدار الى ذروتها. لم يكن افتتاح محكمة لاهاي لا بداية ولا نهاية لمعركة الجدار، ولا يجب ان يكون الرأي الاستشاري لمحكمة لاهاي لا بداية ولا نهاية معركة مقاومة الجدار، فلنقاوم الجدار حتى ينهار، ويمكن فعلاً ان ينهار، شارون وحكومته يريدان لفت انظار العالم الى خطة الانفصال من جانب واحد حتى قبل اقرارها وبعد حشوها بالالغام، وعلى الفلسطينيين، ان يركزوا انظار العالم على الاحتلال والاستيطان والعدوان العسكري، وعلى بناء جدار الفصل العنصري الذي يعيد انتاج نظام الفصل العنصري المنقرض، وعلينا ان نعرف لمن لا يعرف وان نتذكر لمن يعرف ان صدور رأي مشابه من محكمة لاهاي، كان بداية النهاية، وبدء العد العكسي لانهيار نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا، ولنجعل رأي محكمة لاهاي بداية النهاية لجدار الفصل العنصري... جدار الحقد والكراهية. - الأيام -