ماذا قال تيري لارسن ولماذا قال ما قاله؟ ولماذا اثارت تصريحاته كل هذه الضجة، وسببت هذا الغضب الفلسطيني؟ وهل كان الرد الفلسطيني عليها موفقا أم مرتبكا؟ أين أخطأ لارسن، وأين اصاب؟ هذه الاسئلة وغيرها ساحاول الاجابة عليها قدر المستطاع. ابدأ بايراد مقتطفات من تصريحات لارسن لاتيح الفرصة لمن لم يطلع عليها، لانها لم تجد حيزاً كبيرا، رغم الاهتمام الاعلامي الواسع بالردود التي اثارتها. اتهم لارسن الرئيس ياسر عرفات بأنه لم يقدم الا دعما جزئياً واسميا فقط للجهود المصرية لدعم الاصلاحات الامنية الفلسطينية التي يطالب بها المجتمع الدولي. واعتبر لارسن انه رغم ان عرفات لا يزال محاصرا في مقر اقامته برام الله فان هذا ليس عذرا للسلبية وعدم اتخاذ اجراءات او القيام باي شيء في مجال الامن.

واضاف لارسن: رغم التعهدات التي تكررها القيادة الفلسطينية دائما، لم يتم القيام باية خطوة للوفاء بالتزامها الاساسي باتخاذ اجراءات فورية ضد العنف والارهاب، ولتطبيق الاصلاحات في السلطة الفلسطينية. يجب على عرفات اتخاذ خطوات فورية لاعادة المصداقية الى السلطة. وتابع المبعوث الدولي يقول: يجب على رئيس الوزراء الفلسطيني وحكومته ان يتمتعوا بصلاحيات، ليست من أجل اتخاذ قرارات وحسب، وانما من اجل تنفيذها ايضا ولا توجد حاليا اية مؤشرات على أنه تم القيام بمثل هذه الخطوات. ان نوايا ابو علاء جيدة، لكن السلطة الفلسطينية نفسها مشلولة. واشار لارسن الى وجود فوضى عارمة في السلطة الفلسطينية، موضحا ن انهيار السلطة ليس نتيجة للعمليات العسكرية التي تقوم بها اسرائيل فقط.

ولم يوفر لارسن انتقاد طريقة اجراء الانتخابات في السلطة الفلسطينية، حيث قال: لقد قررت السلطة اجراء انتخابات محلية، لكنها لم تستجب لمطلب المجتمع الدولي بتنفيذ اصلاحات بغية اجراء انتخابات نزيهة وديمقراطية، وبدلا من ذلك، اقامت السلطة هيئة غير نظامية للاشراف على الانتخابات، بدلا من هيئة موضوعية ومحايدة. ساكتفي بهذه المقتطفات من تصريحات لارسن رغم أنها طويلة ودخلت الى تفاصيل الاوضاع في المدن الفلسطينية والقضاء والاجراءات المالية، وكأنها تقرير شامل مقدم للمؤسسات الفلسطينية.

رد فلسطيني مرتبك

قبل مناقشة هذه التصريحات، سانتقل اولا للتوقف امام الرد الفلسطيني عليها. فقد ردت السلطة برد غاضب جدا على تصريحات لارسن، وهذا من حقها ومشروع، واعتبرتها تصريحات مجافية للحقيقة ومضللة، ومنحازة لاسرائيل، وتتجاوز صلاحياته كمبعوث للامم المتحدة، وطالبت الامين العام للامم المتحدة بالتحقيق معه ودفعه للالتزام بدوره كما يجب ان يقوم به. وهذا كله صحيح، بل أن تصريحات لارسن تتناقض ايضاع مع الشرعية الدولية والقانون الدولي، الذي بات رأيه واضحا وضوح الشمس، خصوصاً بعد صدور رأي محكمة لاهاي والذي اعاد الامور الى نصابها، ووضع اسرائيل في مكانها الطبيعي، باعتبارها دولة محتلة. لو اكتفت السلطة بهذه الردود، لكان الموقف الفلسطيني سيكون قويا ويمكن الدفاع عنه، ولكن صدرت مواقف فلسطينية اعتبرت لارسن، شخصية لا قيمة لها، ولا قيمة لما يقول، وغير مرغوب فيه في اراضي السلطة الوطنية الفلسطينية، وصدرت مواقف غير رسمية اشد اعتبرته عدوا للفلسطينيين وحذرته من دخول الاراضي الفلسطينية، وحذرت اي مسؤول فلسطيني مغبة اللقاء به!! وعشنا ساعات طويلة لا نعرف المضمون الحقيقي لعبارة غير مرغوب فيه، وهل تعني مقاطعته؟ ام منعه من دخول الاراضي الفلسطينية، الى أن سارعت السلطة الى توضيح الموقف وذلك باعلان السفير الفلسطيني في الامم المتحدة ناصر القدوة، بان اي قرار رسمي لم يتخذ ضد الموفد الخاص للامم المتحدة، فنحن لا نبعد احدا، ولم يتخذ قرار في هذا الصدد، وان عبارة غير مرغوب فيه، عكست الغضب الفلسطيني الحقيقي، وليس أكثر. كما اتصل نبيل شعث وزير الخارجية بلارسن وأكد له ما سبق وان اوضحه القدوة. وحسنا فعلت السلطة ذلك لانها بهذه المبادرة حاصرت الموقف قبل ان يتفاعل أكثر، خصوصا بعدما اعلن كوفي انان ان لارسن يحظى بثقته الكاملة، وان ما قاله يعبر عن قلق المجتمع الدولي من عدم التزام الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي بالالتزامات الواردة بحقهما في خارطة الطريق. وهذا التصريح يجب ان يشعل الضوء الاحمر ونسعى لتداركه! هناك فرق شاسع يجب ان يكون دائما بين الغضب الحقيقي المشروع وبين المواقف السياسية بين الموقف من لارسن ومن تصريحاته الاخيرة فيجب ان لا ننسى ان لارسن صاحب الانتقادات الشهيرة لاسرائيل والتي جاء فيها ان ما شاهده في مخيم جنين بعد العدوان العسكري الاسرائيلي اشبه بالزلزال وان اسرائيل ارتكبت "جرائم حرب" ما ادى الى ان اسرائيل تقاطع لارسن منذ عامين بحيث لا يلتقي معه ولا أي مسؤول اسرائيلي رفيع.

كما يجب التفريق ما بين لارسن ووظيفته بوصفه المبعوث الشخصي للامين العام للامم المتحدة. اي يجب التفريق ما بين الحق والحكمة. فالحق معنا ويبرر الغضب ولكن علينا ان نتذكر ان الامم المتحدة والشرعية الدولية والقانون الدولي هي السلاح الاستراتيجي الذي يملكه الفلسطينيون وبمقدورهم من خلاله إحداث التوازن المفقود مع اسرائيل التي تملك التفوق العسكري الساحق. واذا اردنا تفسير تصريحات لارسن الاخيرة، يمكن ان تكون محاولة لكسب رضى اسرائيل وهو في آخر ايامه في المنطقة، حيث تنتهي مهمته في شهر كانون الثاني القادم، لعل الرضى الاسرائيلي يفتح الطريق امامه لتسلم مهمات اخرى أكبر في اطار الامم المتحدة او في اي مجال آخر. ولعل هذه التصريحات تعبير عن خيبة امله من الخروج بانجاز مثير من مهمته في الشرق الاوسط. فالازمة في المنطقة وعدم التقدم نحو حلها، لم تكسب لارسن اي رصيد سياسي، ينافس به ما حققه زملاؤه من المبعوثين الدوليين في مناطق الازمات الكبرى في العالم، والذين دخل بعضهم التاريخ. فمن الواضح ان لارسن غاضب لانه لا يقوم باي دور حيوي، سوى ذلك التقرير الشهري الذي يكرر فيه منذ زمن طويل نفس العبارات التقليدية. فاراد هذه المرة ان يلفت الانظار اليه، ويدلي بتصريحات مثيرة، وكونه يخشى من قول الحقيقة وتوجيه الانتقادات لمن يجب ان توجه له، خشية من عواقب ذلك، اختار الطرف الفلسطيني، بوصفه الطرف الضعيف والذي لا يستطيع ان يعاقب من يتطاول عليه، ولكنه طرف يعرف كيف يدافع عن نفسه وعن حقوقه.

خروج عن اللياقة

تصريحات لارسن، اضافة لكل ما تقدم، تتجاوز صلاحياته واللياقة والمألوف واستفزازية فهي قيلت بشكل لا يليق بشخص مثل السيد لارسن ولمن هو في موقعه. فلارسن تجاوز كل الحدود عندما نصب نفسه مدافعا عن المبادرة المصرية، باتهام الرئيس ياسر عرفات بانه لم يقدم لها الا دعما جزئياً واسميا، فقط. وهذا حكم مسبق وظالم، وسابق لاوانه، ولا يصح ان يقال على منبر الامم المتحدة وفي تقرير لمجلس الامن. فالزيارة الاخيرة التي قام بها الوزير المصري عمر سليمان ادت الى بلورة خطة مصرية-فلسطينية لتنفيذ المبادرة المصرية، وحددت جدولا زمنيا. ومن المبكر جدا القول ان ياسر عرفات أخل بوعوده او اعطاها دعما اسميا. فأهم نقطة في هذه الخطة هي اختصار وتوحيد الاجهزة الامنية الفلسطينية في ثلاثة ووضعها تحت قيادة وزير الداخلية. اذا كان لارسن يتوقع ان عرفات لن ينفذ ما وعد به، فهذه مشكلته، وتوقعاته وهواجسه لا يجب ان تتحول الى سياسة رسمية للامم المتحدة.

الاحتلال سقط سهوا

خطأ بل خطيئه لارسن، ليس في حديثه عن الفوضى وحالة الشلل والبطء في تنفيذ الاصلاحات في السلطة الفلسطينية، فكل هذا صحيح، وانما في انه لم يضع انتقاداته لياسر عرفات والسلطة الفلسطينية في سياق رؤية موضوعية ترى مجمل اللوحة ولا تركز على لون واحد فيها فقط. مجمل اللوحة يعطى لاي مطلع مثل لارسن القدرة على التمييز ومعرفة أن العامل الاساسي، والذي يجب ان يأخذ الاولوية، ومعظم التركيز، والذي سبب حالة الفوضى والشلل في الاراضي الفلسطينية المحتلة العام 7691، ويمكن ان يؤدي الى كوارث أكبر تلحق بالشعبين الفلسطيني والاسرائيلي، ومجمل المنطقة والعالم كله، يتمثل في قيام حكومة شارون بتكثيف الاستيطان واقامة جدار الفصل العنصري واعادة احتلال الضفة، والاستباحة العسكرية الكاملة للضفة وغزة، بحيث اصبح الحصار وتقطيع الاوصال واعمال القتل والاغتيال والقصف والاقتحامات وهدم المنازل وتجريف الاشجار، وحملات الاعتقال وتعطيل الاعمال والجوانب الانسانية المختلفة، حالة دائمة ويومية يعيشها الفلسطينيون، فعندما يتجاهل لارسن في تقريره هذا العامل كلياً في بعض العبارات، ويضعه اي يضع الجلاد والضحية على نفس القدر من المسؤولية مع السلطة في عبارات أخرى، ويبحث عن دور الاحتلال لدرجة مريبة في عبارات ثالثة، فهذا يطرح مليون علامة سؤال حول مدى موضوعية لارسن، الذي تحول من ناقد كبير لاسرائيل وسياساتها واجراءاتها العدوانية والتوسعية والعنصرية، الى بوق يردد الكثير من ادعاءات شارون خصوصا حول الرئيس ياسر عرفات، ما يضع الرئيس الفلسطيني بعد هذه التصريحات تحت خطر أكبر مما كان قبلها.

لنقدم مثلا على عدم موضوعية لارسن. فهو يختصر انتقاده لاسرائيل في انها لم تنفذ التزاماتها في خارطة الطريق. ولكنه لم يتحدث عن هذه الالتزامات بالتفصيل كما فعل مع الجانب الفلسطيني بل ركز حديثه فقط على عدم التزام اسرائيل بوقف الاستيطان، وازالة البؤر الاستيطانية العشوائية. في حين ان الحقيقة المجردة تقول ان اسرائيل قتلت خارطة الطريق قبل ان تولد، بالتحفظات التي وضعتها عليها والتي فرغتها من مضمونها تماما. وفي الاصرار على تطبيق الخارطة بصورة متتابعة وليس بصورة متبادلة كما تنص. ويبدو أن لارسن أخذ بالتفسير الاسرائيلي لخارطة الطريق. واذا لم يكن الامر كذلك؟ لماذا لم ينبس ببنت شفة حول عدم التزام اسرائيل بما هو وارد في خارطة الطريق حول التوصل الى وقف اطلاق نار متبادل ومتوازن، ووقف العدوان العسكري بكافة اشكاله. وعدم اصدار بيان تعترف فيه باقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كما تنص خارطة الطريق. وعدم الانسحاب الى المواقع التي كانت ترابط بها القوات المحتلة الاسرائيلية قبل الثامن والعشرين من ايلول العام 0002. وعدم فتح المقرات المقدسية المغلقة، وازالة الحصار والحواجز واطلاق سراح المعتقلين وتحسين أحوال المعيشة للفلسطينيين. لارسن لم يتورع حتى عن انتقاد ياسر عرفات ازاء المبادرة المصرية رغم اعلانه الموافقة الكاملة عليها، ولكنه لم ينبس ببنت شفة حول مساعي اسرائيل الحديثة لقتل هذه المبادرة قبل ان تولد بدليل اقتحام واحتلال رفح، ثم اقتحام واحتلال بيت حانون، والاستمرار بسياسة الاغتيالات والقصف الامر الذي ادى الى ان يقوم متحدث رئاسي مصري بالتصريح ان مصر لن ترسل الخبراء المصريين في ظل هذه الاعتداءات الاسرائىلية.

توقيت سيئ

واسوأ ما في تصريحات لارسن، التوقيت الذي صدرت به، فهي تجاهلت قرار محكمة لاهاي، واتت وكأنها تريد ان تسرق الفرصة والنصر من الفلسطينيين وهم على اعتاب طرح كيفية تنفيذه على الجمعية العامة للامم المتحدة، ثم بعد ذلك على مجلس الامن.

وأخيراً، ما تقدم لا يعفي السلطة من مسؤولياتها وضرورة القيام بالاصلاحات في كافة الاصعدة السياسية والامنية والمالية والاقتصادية والادارية والقضائية باسرع وقت ممكن وفي المقدمة اجراء الانتخابات النزيهة والديمقراطية وعلى كافة المستويات، واستجابة لمصالح وطموحات واهداف الشعب الفلسطيني. اما الاستمرار بالحفاظ بالقديم على قدمه، وانتظار المجهول، فمن شأنه ان يجعل تصريحات لارسن التي يمكن المجازفة والقول بأنها لم تصبح حتى الآن، سياسة دولية، سياسة تتبعها اطراف اللجنة الرباعية الدولية ثم الدول العربية. ولا يهم هنا انها سياسة ظالمة او محقة، فهي ظالمة ولكن تحتوي على بعض الحق. وعلينا أن نضع الحق فيها في سياق استراتيجية فلسطينية قادرة على المبادرة ووضع كافة الطاقات والكفاءات الفلسطينية على اختلافها في مجرى واحد ومن اجل تحقيق اهداف واحدة!! وهذا شيء ممكن لو توفرت الارادة اللازمة!!