حقق الكفاح، باشكاله المتعددة، الجماهيري، القانوني والسياسي، انجازا باعثا على الاحترام والحبور. بداية ردت محكمة العدل العليا الاسرائيلية المسارات المتعرجة والظالمة التي تحشر الناس في جيوب تفصلها عن ذاتها، أرضها واحتياجاتها الحيوية الاسا، من صحة وتعليم وتواصل انساني مع المحيط، موافقة في نفس واحد على حجة الامن وراء الجدار واشتراطها الا يكون هذا الأمن "المقبول والمشروع" في نظرها على حساب جودة حياة الفلسطينيين.
وقد جاء هذا القرار استشعارا حسيا، مفعما بالوعي السياسي الصهيوني، ليستبق قرارا آخر اتخذته محكمة العدل الدولية في لاهاي، يرفض فكرة الجدار ويدينها بصفتها اجراء احتلاليا يتعارض مع القانون الدولي وبالتالي يطالب اسرائيل بالتوقف عن بنائه وتفكيك ما تم من بنائه حتى الان.
من حق كل القوى، وعلى رأسها الجماهير التي يظلمها الجدار، ان تفرح بهذا الانجاز المزدوج. فقد ضحت بالكثير حتى ترى هذه اللحظة التي يستجاب لاستغاثتها ويساند كفاحها. وهو لا بد انجاز للكفاح السياسي والقانوني الذي انتهج لمواجهة اسرائيل بعد أن بات متعذرا منع خطاها التعسفية بكل وسيلة اخرى. واذا دمجنا القرارين، ورد فعل الحكومة الاسرائيلية، ومن ورائها الجمهور الاسرائيلي عليهما، فاننا نستخلص ان الحكومة والجمهور الاسرائيلي سيساندان مسارا للجدار يكون اشد قربا من الخط الاخضر، اذ يبدو ان هذا هو الحل الوسط الذي يقع بين رفض قرار محكمة العدل الدولية من جانب اسرائيل واستجابتها لقرار محكمة عدلها هي في اشتراط الامن بعدم ايقاع الظلم.
ومع ذلك، فان في مواجه موقف الحكومة الاسرائيلية المبدئي في الانصياع لقرار المحكمة العليا في اسرائيل وجهتي اعتراض وتعارض. فهو يتعارض والايديولوجيا السياسية والفكرية لحزب السلطة في اسرائيل ورئيس حكومتها الذي يستهدف قضم اكبر قدر ممكن من اراضي الضفة وضمها الى اسرائيل او على الاقل اعدادها من شتى النواحي لمثل هذا الضم من جهة. كما يتعارض من الجهة الاخرى مع مجرد فكرة اقامة الجدار اقرب ما يكون الى الخط الاخضر في منطقة القدس.
فلا اسرائيل تريد جدارا على الخط الاخضر في منطقة القدس، مما يعني إعادة تقسيم المدينة والغاء ضمها، ولا هي ترغب في أن يؤدي اقامتها للسور حوالي كل منطقة شرقي القدس كي تستجيب لمعيار جودة حياة الفلسطينيين، الى ضم نحو ربع مليون فلسطيني في شرقي القدس داخل مثل هذا الجدار. وهذا أيضا سيبقي مشكلة تواصل هذه المجموعة السكانية مع محيطها الطبيعي في الضفة الغربية ولا سيما في الاحياء الشمالية منها. فالرام وبير نبالا وضاحية البريد تتواصل مع رام الله مثلما تتواصل مع القدس. والجدار أينما وقع في هذه المنطقة فانه يبقى يضر بجودة حياة عشرات الالاف من السكان الفلسطينيين. أي ان المشكلة لا تزال قائمة اسرائيليا، ولم يتوفر بعد الحل الذي يوازن بين كل المتطلبات ذات الشأن.
وهكذا نكون، بالتعاون مع القوى المؤيدة للسلام والرافضة للظلم والعدوان، قد حققنا انجازا هاما في مواجهة مشروع الجدار. ولكن السؤال هو هل أن يقام الجدار، وان على الخط الاخضر، هو ما نريد؟ يرد الذين لا يزالون يتبنون فكرة الدولتين على هذا السؤال بالايجاب، قائلين ان بوسع اسرائيل ان تقيم الجدار "على اراضيها"، فيما يتساءل حتى اولئك الذين لا يملكون رؤيا ايديولوجية او سياسية محددة، هل أراضي ما خلف الخط الاخضر من ناحية اسرائيل هي "اراضيها"، ومن أين أتت هذه القدسية لهذا الخط الذي اصبح شبه وهمي، واذا ترسخ في جدار، فانه يمزق ما لا يقل من نسيج للحياة نشأ وتعزز على طرفيه على مدار العقود الاربعة الماضية إثر فتح حدود الهدنة من جانب احتلال اسرائيل للضفة الغربية.
ليس الجدار سوى التعبير المادي الملموس للجدار العالي الذي ضربه الصراع بين الشعبين، من كراهية وعداء ونفور متبادل. ولو كانت اسرائيل دولة استعمارية معروفة الحدود قد احتلتنا كدولة اخرى، لكان الجدار، اي الانفصال والاستقلا، هو الحل الحقيقي للصراع معها، مثلما كان في كل الحالات الاستعمارية الاخرى. ولكن الخط الاخضر لاسرائيل ليس حدودا معترفا بها لا من الفلسطينيين ولا من العالم، وداخله يوجد مليون وربع فلسطيني يتواصلون اجتماعيا، وقوميا، واقتصاديا ومعنويا مع مليون ونصف فلسطيني في الضفة الغربية وراء الجدار. كما ان ثمة ملايين اخرى من الناس من المطالبين بالعودة الى ديارهم خلف الخط الاخضر وخلف الجدار الذي إن قام على ما نريده من حدود لدولتنا سيفصلهم هم أيضا عن دولتهم التي يرغبون في اقامتها كعنوان لهويتهم الوطنية.
نحن الفلسطينيين، شعبا وقيادة، لا نزال متمسكين بكامل حقوقنا، فنحن نريد دولة نجسد بها أنفسنا، وفي نفس الوقت نريد العودة الى ديارنا كحق طبيعي شخصي غير قابل للجدال. ونحن نترجم هذين المطلبين على نحو طبيعي بان نقيم دولة وراء الخط الاخضر ويتاح لمن يرغب من اللاجئين العودة الى دياره ضمن نطاق ما نبدي الاستعداد للاعتراف به بصفته اسرائيل. ودون أن نعي تماما مضاعفات موقفنا، المشروع والحقيقي والطبيعي لا شك، ان المطلبين يتناقضان على نحو متعذر التسوية. ويضاعف هذا التناقض الجدار الذي قد يقوم أخيرا ونهائيا ليقضي على المطلبين معا، حيث أنه سيكون قابلا للرشح من جهة واحدة، بواباته تفتح من الغرب فقط، فلا نكون دولة حقيقية خلفه ولا نتمكن من العودة داخله.
أغلب الظن انه لم يحن الوقت بعد للاعتراف، محليا ودوليا، بفشل فكرة الدولتين التي تقسمها حدود جدارية. ولكن لا بد ان هذا الوقت سيحين لا مفر، بعد ان يتضح للجميع ان الحدود الجدارية في نزاع قومي، عرقي، ديني متداخل كنزاعنا لا يكمن فيها اي حل، بل هي وعد باستمرار الصراع حتى ما لا نهاية.