النخبة الفلسطينية فاسدة، وباتت مستعصية علي الاصلاح، ولابد من التغيير الشامل، فالخلل ليس في الشعب الفلسطيني، وانما في قيادته المرتبكة، وحصار هذه القيادة من قبل الاسرائيليين والامريكان لا يعفيها من المسؤولية عن كل ما يحدث، والا ما دخل الحصار في استبدال فاسد بآخر اكثر فساداً منه، وما دخل الحصار في الاصرار علي الاحتفاظ برموز الفساد، وتدويرهم في المناصب الوزارية والامنية، وكأن الرحم الفلسطيني عقيم، وكأنه لا يوجد من بين اربعة ملايين فلسطيني في الداخل من لا يصلح للمسؤولية، وتشكيل الحكومة وتولي مناصبها غير هؤلاء.
المسألة لم تعد مسألة اصلاح، فسوس الفساد نخر كل شيء، ووصل الي عظم المؤسسات، فالمجلس التشريعي في معظمه فاسد، ولم يعد يستمد شرعيته من ناخبيه، ومنظمة التحرير لم تعد موجودة، والعلاقة بين الداخل والخارج معدومة تماما، واللجان التنفيذية والمركزية مأوي للعجزة والمرضي والمتقاعدين.
ستون في المئة من الشعب الفلسطيني تحت سن العشرين، ومع ذلك متوسط عمر قيادته الاولي والثانية فوق الخامسة والستين، هل هذا هو المنطق الثوري السليم، وهل هذه هي الآخرة التي يتمناها هؤلاء لثورتهم وقضيتهم ومؤسساتهم؟
فالصراع الحالي ليس من اجل الوطن، وانما هو صراع علي المناصب، والمزيد من الفساد، والذي يدفع الثمن هو الشعب الفلسطيني وشهداؤه وابناؤه البررة، فحيتان الفساد نسيت الوطن ونسيت قضيته، مثلما نسيت ثوابته الوطنية.
القيادة الفلسطينية التي تحتفل حاليا بعشر سنوات علي انتقالها من المنفي الي الوطن، خسرت مقومات الثورة، دون ان تكسب مقومات الدولة، وانتقلت من الطهر الثوري، الي الفساد السلطوي، ووصمت الشعب الفلسطيني الذي قدم آلاف الضحايا بالفساد، وشوهت كل انجازاته المشرفة بخلافاتها.
القيادة الفلسطينية هي الوحيدة في التاريخ التي دخلت مفاوضات ووقعت اتفاق سلام، ولــــم تحصــــل علي الدولة، ولم تحقق السلام. لم توقع حركة تحرير اتفاقا مع اعدائها الا وقاد الي الاستقلال، اما حركة التحرير الفلسطيـــنية فلم تقــد شعبها الا الي الاحباط واليأس.
الانتفاضة الحالية المستعرة في ارض الجوع والفقر والشهادة والكرامة يجب ان تستمر حتي تحقق اهدافها في تصعيد قيادات نظيفة اليد طاهرة القلب، وطنية الرؤية، وان ترفض كل محاولات الترقيع الحالية التي تريد كسب بعض الوقت للسيطرة علي الموقف والعودة الي النهج القديم.
دمج قوات الامن، وتغيير بعض قياداتها ليسا حلا، واعطاء رئيس الوزراء احمد قريع صلاحيات كاملة لا يشكل مخرجا، فقوات الامن نخرها الفساد، وقامت علي اساس اتفاقات باطلة، وتولاها في معظم الاحيان قادة فاسدون، كل همهم كان تكديس الاموال، وبناء الفيلات الفخمة، وفرض الخوات، والتحالف مع مافيات الفساد والمخدرات.
وزراء يتاجرون بالاسمنت، ويشاركون ببناء الجدار والمستوطنات من عرق الشعب الفلسطيني، وتجدهم يتصدرون اجتماعات القيادة ويتحدثون عن الوطنية، اي قيادة هذه واي وطنية تلك التي يتحدثون عنها؟
رئيس الوزراء لا يصلح لانه ضعيف، ومحدود الرؤية، وهو صاحب اسوأ مشروع في تاريخ القضية الفلسطينية، وهو اتفاقات اوسلو، فلماذا الاصرار عليه، ولماذا لا تقبل استقالته، وما هي انجازاته حتي يعاد تكليفه بتشكيل الوزارة، هل أمّن لقمة العيش والامان للشعب الفلسطيني؟
الاصلاح السياسي والمالي يجب ان يسير جنبا الي جنب مع التمسك بالثوابت الوطنية في تصعيد الانتفاضة، ومواصلة عمليات المقاومة بكل اشكالها السلمية وغير السلمية، وفق برنامج وطني واضح.
في الوقت نفسه لابد من التحذير من ان بعض الفاسدين او الغارقين في الفساد في المعسكر الاخر استغلوا حسن نوايا كوادر نظيفة ومخلصة في حركة فتح، وحرضوهم علي التمرد واستخدموا قضية الفساد مثل قميص عثمان لاحداث انقلاب داخلي وبهدف الوصول الي السلطة من اجل استئناف مسيرة التفاوض علي اساس اسقاط حق العودة وبيع معظم القدس للاسرائيليين.
الفساد موجود ومستفحل ومعيب والرئيس عرفات لايمكن الدفاع عنه في هذه المسألة وهو لم يترك مجالا لاحد لكي يدافع عنه باستمراره في نهجه الفردي ولكن المسألة اكبر، وهناك من يريد اطاحته لانه لم يتصرف كذكر النحل يلقح الملكة (التسوية) ويموت.
وربما يفيد التذكير بأن اللواء عمر سليمان مدير عام جهاز المخابرات المصرية حذر الرئيس عرفات بأنه إذا لم ينفذ ما هو مطلوب منه امريكيا واسرائيليا من اصلاحات امنية، فإن مصر سترفع عنه الحماية، وهذا ما حدث، وهناك من يقول إن اصابع مصرية لعبت دورا في تفجير الاوضاع، بالاشتراك مع بعض قادة الامن المعروفين بانتماءاتهم الامريكية، والضالعين في ترتيب الاوضاع بعد انسحاب قوات شارون من القطاع.
نعم هناك مؤامرة، تريد فصل غزة عن الضفة، واعادتها الي الوضع الذي كانت عليه قبل احتلال عام 1967، كمقدمة لاعادة الضفة لاشراف اردني. ولكن الفساد وحماية الرئيس عرفات للفاسدين، والقرارات الخاطئة والمتسرعة كلها عوامل تسهل نجاحها.
التصدي للمؤامرة هذه لا يتم من خلال التمسك بالخيول الفاسدة العاجزة الهرمة، وانما بالقيادات الشابة النظيفة القوية، والكلام هنا موجه الي الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ما غيره، فهو الذي يتحمل مسؤولية كل ما يحدث حاليا من انهيارات.
وجود بدائل اسرائيلية امريكية جاهزة تستعد للقفز الي السفينة وقيادتها، لا يعني الاستعانة بالوجوه نفسها التي ملّها الشعب الفلسطيني، وباتت تصيبه بالاحباط في كل مرة تطل عليه عبر شاشات التلفزة.
فعندما تواجه القيادات، التاريخية وغير التاريخية، ازمة مصيرية، تلجأ الي تشكيل حكومة وحدة وطنية، وتشرك الشعب وطلائعه في المسؤولية، الا عندنا، حيث لا تعترف القيادة بالشعب ولا بالمعارضة. فلماذا لم يوجه الرئيس عرفات دعوة الي فصائل المعارضة الفلسطينية، اسلامية او قومية، لاشراكها في المسؤولية، ولماذا لم يعقد اي اجتماع مع قياداتها؟
الجواب بسيط، لانه لا يفضل التعامل الا مع الخيول العرجاء، ونستعمل كلمة خيول هنا تأدبا، ونترك الامر لخيالكم لاختيار الكلمة المناسبة.
الصورة الفلسطينية سيئة بسبب هؤلاء الفاسدين، والبيض الفاسد اصبح هو القاعدة، وغطي علي كل انجازات المقاومة المشرفة، والمأساة انهم مصرون علي رش المزيد من الاوحال علي هذه الصورة في صراعاتهم الشرسة علي سلطة فاقدة الكرامة والشرعية. - القدس العربي -