كان بيننا موعد أن نلتقي، ولكن الرصاص كان هو الأسبق ولكنه لن يكون الأصدق، لأنه رصاص ينطلق من بنادق الجبناء ، ذلك أنك حين انهال رصاصهم عليك لم تكن تقف في العتمة، بل كنت تقف على منصة البوح تحت مظلمة الحقيقية، ولم تكن واحدا من رؤساء الفرق الإنكشارية ، ولم تكن مقدما من مقدمي المماليك، بل كنت متصالحا مع أنسابك، فلسطيني من النطفة حتى الميلاد، ومن الحلم إلى الهدف .

هل تذكر يا صديقي، كم حلف شيطاني واجهنا بشجاعة الفلسطيني وانتمائه إلى ذاته، لا سند من هنا أو هناك اللهم سوى أننا كنا ندين بعقيدة اسمها الوفاء، إذا كيف يمكن أن يكون الإنسان حين لا يكون وفيا، حين يكون مهلهل الذاكرة لا يتبقى في تلافيفها سوى فحيح الأفاعي .

يا نبيل عمرو.. يا صديقي.. شكرا لك وأنت تتلقى الرصاص مرة أخرى، بتلك الابتسامة الساخرة الذكية في عينيك، شكرا لك، لأنك أعدت الاعتبار إلى الكلمة، في البدء كانت ودائما سوف تكون، أعدت الاعتبار إلى الكلمة حين ظن التافهون أننا سنصمت، ونغلق حاراتنا بالأبواب والمتاريس، وننتظر أن يعلن «برقوق » نفسه سلطانا فنرقص ونهلل ونغني نفاقا إلى أن يجلس على جثته مملوك آخر!

إن فلسطين تستحق أكثر من كل ذلك، فلسطين التي رتلنا مزاميرها، وتفاخرنا بها مثل معجزة الدهشة، وقلنا عنها أنها تدفع فواتيرها سلفا من دماء أغلى الأبناء، وأنها على حلف مستديم مع المستقبل، فلسطين تستحق أكثر من كل ذلك، ولأنك كنت مبشرا بفلسطين الجديدة، فإنهم حاوروك بالرصاص ، يالهم من أغبياء، أولم يكن هناك رصاص حين واجهنا انشقاقات فتح الكبرى، أولم يكن هناك رصاص حين لم نخف من اللاعبين الكبار في أرجاء الوطن العربي ونحن ندافع عن مرجعيتنا الوطنية كما نراها، وعن حصة أولادنا في المستقبل كما نتمناها أولم يكن هناك رصاص ؟؟؟ يا نبيل عمرو..يا صديقي:

كم مرة استطعت على شاشات الفضائيات أن تجعل المنافقين يتحول لعابهم في حلوقهم إلى ما هو أمر من الحنظل، فكيف بالله عليك أصبح بعض هؤلاء المنافقين سدنة المعبد؟ وكيف أصبح منشقو الأمس دعاة الوثام؟ وكيف أصبح أهل الدسيسة هم أهل الحكمة والنصيحة؟

تحت وابل الموت كنا نتجاور، نختلف ونتفق ثم نعود نختلف ونتفق ونبقى في السرب طيورا نادرة، وكانت مدافع الدبابات المعادية تلامس ميكروفون الإذاعة ولم يتوقف شدونا للوطن، وكان الانقسام والاصطفاف والتشرذم يرسم الخارطة ولم نفرط في حليب أمهاتنا لأحد، فكيف وصلنا اليوم إلى حد أن يقال لنا إن نطقت مت.. لا.. لن نسكت.. سنظل نغني، ونبشر، ونحلم، ونناضل، أما خونة الرصاص الغادر فليذهبوا إلى الجحيم.

معذرة يا نبيل عمرو، اتصلت بك فقالوا إنك على الهواء مباشرة، ثم أعدت الاتصال فقالوا إنك في الطريق إلى جناح الطوارئ، ثم إلى غرفة العمليات، ثم في الطريق إلى عمان.. ولكن لأننا كنا على موعد وليس من عادتنا أن نخلف المواعيد فلقد كتبت لك هذه الرسالة، ننتظرك أن تعود إلينا سريعا يا من أعدت الاعتبار إلى قدسية الكلام. - الشرق الأوسط -