تتوالي الأخبار حول نجاح القوات الصهيونية في تتبع الراغبين بالقيام بعمليات استشهادية ضد أهداف صهيونية والقبض عليهم قبل التنفيذ. وتركز وسائل إعلام كثيرة، عربية وغير عربية، علي طفولة هؤلاء الراغبين والذين يبلغون بحدود الخامسة عشرة والرابعة عشرة. أسهبت وسائل الإعلام بخاصة الغربية منها في نشر صور هؤلاء الأطفال متعمدة تشويه صورة الفلسطينيين بخاصة فصائل المقاومة المتهمة بتجنيد الأطفال ودفعهم نحو القيام بعمليات استشهادية قبل أن يكونوا قد نضجوا ليقرروا لأنفسهم بأنفسهم.

وقد رددت وسائل إعلام كثيرة بقيادة الإعلام الصهيوني مقولة وحشية شعب فلسطين وهمجيتهم لأنهم يرسلون أطفالهم للموت بهدف قتل أبرياء آمنين. وقد تردد بأن هؤلاء الفلسطينيين لا يستحقون التعاطف لأنه لا توجد لهم أكباد تحرص علي أبنائهم وتعلمهم احترام حياة الإنسان وقيمة هذه الحياة. فإذا كان الفلسطيني يدفع ابنه إلي الموت، فإنه بالتأكيد غير حريص علي حياة الغرباء أو الأقرباء.

لكن السؤال الذي لم أسمعه يتردد في وسائل الإعلام هو: لماذا هذه الموجة الآن من تجنيد الأطفال؟ الفصائل الفلسطينية تعمل منذ سنوات طويلة وتجند استشهاديين، فهل انتبهت الآن إلي الأطفال فسعت إلي تجنيدهم بهذه الكثافة؟ نسمع يوميا عن اعتقال أطفال هنا وهناك وبخاصة في مدينة نابلس ومخيماتها والتي عرف عنها الصدارة في العمل المقاوم. ونسمع يوميا إدانات لمثل هذا التجنيد، ليس علي ألسنة الغرباء فقط وإنما علي ألسنة فلسطينيين مسؤولين رسميين وغير مسؤولين.

سبق حقيقة للمخابرات الإسرائيلية أن وظفت من تقمصوا أدوارا نضالية، واستطاعوا تجنيد أشخاص وتحميلهم بالمتفجرات سواء علي أجسادهم أو في السيارات. وقد كانت تعمد المخابرات إلي تفجير هؤلاء الاستشهاديين قبل وصولهم الهدف كما حصل مع اثنين من الأرض المحتلة عام 1948، ومع آخرين في قطاع غزة. وفي أحيان كثيرة كانت تنصب الكمائن لمن يحملون أحزمة ناسفة كما حصل ويحصل في الضفة الغربية. الآلية تقوم علي رصد بعض الشباب المتحمسين، ومن ثم توجيه عملاء نحوهم يلعبون دور حماس أو الجهاد الإسلامي أو فتح أو أي فصيل فلسطيني مقاوم ليقنعوهم بالعمل الاستشهادي. وبهذه الطريقة تكون المخابرات الإسرائيلية قد ارتاحت من استشهاديين محتملين بضربات وقائية تحت ستار عمليات فلسطينية فاشلة.

الموجة الحالية في تجنيد الأطفال لا تخرج عن المخابرات الإسرائيلية، وبالتأكيد تجد من الفلسطينيين من يساعدها. أعداد متزايدة من الأطفال يتم اعتقالها، وأعداد أخري تتعرض بيوتها للدهم وأولياء أمورها للمساءلة. السبب واضح وهو تشويه المقاومة الفلسطينية بهدف كبح الرغبة بالقيام العمل الاستشهادي وتوظيف الرأي العام في الداخل والخارج ضده. إسرائيل تعيش حالة رعب واستنفار منذ اغتيال الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، وتحاول تجنب العمليات الاستشهادية المرعبة بكافة الوسائل. إنها تعيش حالة منع تجول دون وجود جيش فلسطيني في التجمعات السكانية اليهودية، وتنشر قوي الأمن والحواجز والسواتر والجدر حفاظا علي أمنها، ولا مانع من استخدام القوي الاستخبارية تعزيزا لمختلف الإجراءات الأمنية.

المراقب لما يجري بخصوص تجنيد الأطفال والأخبار التي تتوارد حول القبض عليهم لا يمكنه أن يصدق أن ذلك من عمل تنظيمات فلسطينية لها جذور نضالية. وفي أحسن الأحوال، مثل هذا التجنيد لا يخرج عن كونه لعبة أطفال يحاولون التعبير عن مقتهم ونقمتهم علي الاحتلال. واضح أن هؤلاء الأطفال يجندون إما بجهل تنظيمي أو من أجل أن يقبض عليهم وليس من أجل القيام بعمليات ناجحة. صحيح أن هناك اختراقات أمنية في الفصائل الفلسطينية، لكنها لم تصل إلي هذا الحد من التسيب المذهل.

طبعا هذا لا ينفي أن أطفالا فلسطينيين لديهم الرغبة والاستعداد للقيام بعمليات استشهادية. الإرهاب الصهيوني والعنف والتدمير والقتل وسفك الدماء زرع في قلوب أطفال فلسطين صورة قبيحة جدا لليهودي المجرم الذي يقتل الناس بالدبابات ويهدم البيوت بالجرافات ويقصف المناضلين بالطائرات. الطفل الفلسطيني عبارة عن بركان متحرك يتحرق للانتقام. إننا نسمع الأطفال يزمجرون ويزبدون ويرعدون لقلة حيلتهم وعدم وجود الإمكانيات التي تحول بينهم وبين تفجير أنفسهم بهؤلاء الصهاينة الذين لا يحكمهم ضمير ولا يحركهم خلق. وللحق، إنهم يلومون آباءهم وأمهاتهم وكبار السن ورجال التنظيمات علي عدم توفير الإمكانيات اللازمة للأخذ بثأر شعب فلسطين.

يأتينا الكثير من رجال ونساء الإعلام العالمي ويسألون بالتحديد عن العمليات الاستشهادية وعن الشباب والأطفال واستعدادهم لتنفيذها. نحن لا نشرح لهم، وإنما نترك المجال للشباب والأطفال للتعبير عن أنفسهم. إنني لا أذكر أبدا أن طفلا أو شابا قال للعالم أنه يهوي القتل أو أن والديه يرسلانه في مهمة، وإنما كان دائما تحليلهم يتركز علي ما تقوم به دولة الصهاينة من جرائم بحق الشعب الفلسطيني. وطالما أكدوا أنهم إن لم يستطيعوا شن هجمات ضد الصهاينة الآن فإنهم سيفعلون عندما يتمكنون.

والنهاية، إذا كان من بين الجيل الذي يتخذ القرار الآن من يستمع إلي تشويهات الصهاينة والأمريكيين ويسارع إلي تبني مقولاتهم، فإن الجيل القادم سيكون أعمق وعيا وأشد حماسة وأشحذ همة وأرقي إبداعا. وإذا كانت إسرائيل تعيش حالة رعب عند حد معين الآن، فإن أيامها القادمة ستكون أكثر سوادا. ذلك ما تصنعه بيديها. تأخذها العزة بالإثم متغطرسة وكأن التاريخ يقف تحت قدميها. انتهت تلك الأيام التي كان القرار ملكا لها فقط والتنفيذ وقتما تشاء، وعليها أن تستقبل حصاد ما زرعت. - القدس العربي -