غاب الشريك الإسرائيلي عن ندوة أريحا، لكن الغياب لم يعوّض كما جرت العادة باللجوء إلى تكنولوجيا الاتصال، عبر استخدام الهاتف أو الفيديو كونفرنس، ولم يعوّض الغياب عبر احتجاج شديد اللهجة ، فقد جاء احتجاج يوسي بيلين مقتضباً وملتبساً في برقيته المكونة من جملتين فقط ، الأولى تحية من وراء جدار الخوف والعجز الرسمي والوطني، والثانية ضرورة العمل معاً. والمشكلة في هذا التحالف الجديد الفلسطيني ـ الإسرائيلي أنه لا يعمل معاً ولا منفرداً، باستثناء توزيع الوثيقة والزيارات المكوكية في العواصم الأوروبية والعالمية. وكان قد نشأ افتراض مفاده أن هذا التحالف سينشط على جبهة المثقفين والأكاديميين والنخب السياسية الإسرائيلية في مواجهة العوائق التي تحول دون إقلاع العملية السياسية،وسيعمل ميدانيا جنبا إلى جنب مع مجموعات السلام ، ضد جدار الفصل العنصري والتوسعات الاستيطانية، وجرائم الحرب التي ترتكبها حكومة شارون كل يوم وليلة. لكن هذا لم يحدث للأسف ، وبمعنى آخر لم يتصدر أنصار جنيف النشاط الذي يفتح الطريق أمام إمكانية تقدم الحل السياسي.
يلاحظ أن ندوة أريحا لم تكن ندوة وفقاً لمعايير الندوات، فالندوة تقوم بتعميق أفكار وتجيب عن أسئلة مطروحة من قبل مؤيدي ومعارضي وثيقة جنيف مثلاً، والندوة تتوقف عند الانسداد، وتساهم في تحديد عناصر القوة والضعف من أجل تحفيز الناس للانطلاق نحو أهداف محددة. في أريحا، ارتجل المتحدثون كلمات وخطباً أعادت التأكيد على مواقف سابقة، ولم تضف حسب الصحف أي جديد، وكان ينقص الكلمات إضافة عبارة "أثبتت التطورات والأحداث صحة مواقفنا" تيمناً بالأحزاب الشمولية. ما جرى في أريحا لقاء سياسي متواضع غلب عليه اللون الواحد ـ ما عدا بعض الأصدقاء الأجانب ـ وكان يمكن استبدال اللقاء ببيان سياسي والتوقيع عليه من قبل إسرائيليين وفلسطينيين وأصدقاء من دول أخرى، من دون عناء السفر إلى أريحا وإضاعة الوقت والمال.ولكن طالما اسموا اللقاء "ندوة" فإن هذا المسمى يسمح بالحوار على هامش ما جرى.
غاب عن ندوة أريحا تقييم الأفكار التي تأسست عليها وثيقة جنيف، وذلك من زاوية صمودها، أو انهيارها على أرض الواقع.وفي هذا المجال يمكن القول :حاول مصممو وثيقة جنيف الرد على ابتزاز المؤسسة الرسمية الإسرائيلية القائل بعدم وجود شريك فلسطيني في عملية السلام. فجاءوا بهذا الشريك معترفاً به من قبل إسرائيليين خارج المؤسسة، ولم يتوقف هؤلاء عند مغزى الابتزاز، بل لم تحظ مقولة إنكار الشريك الفلسطيني بالرد الملائم من قبل السلطة الوطنية و م. ت. ف، خاصة لجهة تعريف الرأي العام بالأهداف الإسرائيلية المبيتة من وراء هذا الطرح. لا يوجد شريك فلسطيني تعني بالمفهوم الإسرائيلي، لا يوجد قيادة أو طرف فلسطيني نافذ يقبل باملاءات الحل النهائي كما عرضتها المؤسسة الإسرائيلية في المفاوضات. الشراكة هنا تعني الرضوخ، وعدم الرضوخ يؤدي بالقيادة إلى أنها "غير ذي صلة" في محاولة لاستدراجها واستئناسها. وإذا تعذر ذلك، فسيتم نزع الاعتراف منها والعمل على استبدالها بقيادة أخرى. وإذا كان الوضع الانتقالي قد نجح بصعوبة في احتمال الغموض والتعايش حول المفاهيم على قاعدة يقول الفلسطيني ما يشاء ويعمل الإسرائيلي ما يشاء ، فإن الوضع الدائم لا يحتمل غير قبول الرزمة الإسرائيلية كاملة أو رفضها كاملة.
ما الذي قدمته وثيقة جنيف على هذا الصعيد؟ فلسطينياً تم تقديم كل ما تحويه جعبة الاتجاه الفلسطيني المركزي من تنازلات ممكنة من وجهة نظر بعض رموزه . وهي تنازلات تعترف بميزان القوى وتتجاوز الحدود التي رسمتها الشرعية الدولية نحو الأقل والأدنى. والهدف هو تجاوز الابتزاز الإسرائيلي في مسألة" لا يوجد شريك فلسطيني"، واعادة الحياة للعملية السياسية. إسرائيليا، قدمت الوثيقة تطميناً للإسرائيليين في مجال عدم عودة اللاجئين إلى إسرائيل إلا بالمعنى الرمزي . وبقاء الكتل الاستيطانية الأساسية داخل الأراضي الفلسطينية. ووجود دولة فلسطينية ضمن القبضة الإسرائيلية والوصاية الدولية من أجل سحب البساط من تحت أقدام اليمين وعودة اليسار الأوسلوي إلى دفة الحكم في إسرائيل. ولكن، لم يدر بخلد يوسي بيلين ورفاقه أن قيادة معسكرهم اليساري انهارت واستسلمت لخطط وبرامج ومواقف اليمين، ودفعت بالتالي قاعدة المعسكر نحو اليمين، باعتباره الطرف الذي يملك الحل. وفات مهندسو أوسلو وجنيف الفلسطينيون أن الانتفاضة خلقت استقطابا وتحولات جديدة دفعت قاعدة الاتجاه المركزي م. ت. ف نحو التشدد والتطرف.
وبناءً على ذلك، فإن البضاعة التي قدمتها وثيقة جنيف، ردت إلى أصحابها في الميل الفلسطيني، وردت أيضاً في الميل الإسرائيلي خلافاً لتقديرات وتوقعات المهندسين،فقد تراجع التأييد للوثيقة في صفوف الإسرائيليين وبدأ ينوس، ففي آخر استطلاع للرأي العام الإسرائيلي حصل حزب يوسي بيلين المتوحد مع ميرتس على 6 مقاعد فقط، علماً أن ميرتس وحدها كانت ممثلة بـ 10 مقاعد.
ولم يقتصر الأمر على رد البضاعة، بل تجاوزه إلى استخدام اليمين الإسرائيلي للتراجع الذي قدمته الوثيقة في قضية اللاجئين والاستيطان والوصاية على الشعب الفلسطيني في مشاريعه وخططه، وفي تغيير الموقف الأميركي الذي عبّر عنه وعد بوش الشهير، وفي محاولة تغيير الموقف الدولي . وفي مقابل ذلك، تم التغاضي عن العناصر الإيجابية في الوثيقة التي يمكن احتسابها لمصلحة الشعب الفلسطيني. إن التعامل الإسرائيلي مع وثيقة جنيف هو امتداد منطقي للتعامل الإسرائيلي مع اتفاق أوسلو، ومع الموافقة الفلسطينية التدريجية على قرارات الشرعية الدولية. فاتفاق أوسلو تحدث عن تطبيق قرار 242، وعن الوحدة الجغرافية للأراضي الفلسطينية، وعدم جواز إجراء أية تغييرات تضر بمفاوضات الوضع الدائم، وبناءً على تلك البنود اعتقد مهندسو اتفاق أوسلو أن إسرائيل ستنسحب عن 85% من الأراضي الفلسطينية خلال المرحلة الانتقالية. ولكن ما حدث أن إسرائيل انسحبت عن 13% من الأراضي الفلسطينية وهي مساحة المدن والبلدات الآهلة بالسكان. لم يتوقف مهندسو جنيف عند التعامل الإسرائيلي مع قرارات الشرعية الدولية، مجلس أمن وجمعية عامة، وهي أهم بكثير من وثيقة بين طرفين غير رسميين ما يمكن قوله إن وثيقة جنيف أعادت إنتاج خطأ أوسلو وقدمت ذات المنهج والخطاب والأوهام والتبرير، ولم لا، فطالما لم تخضع أوسلو للمراجعة والنقد فسوف "تثبت الأحداث والتطورات صحة موقفنا" دائماً وأبداً!!!