تابعنا باهتمام، الفجوة الفاصلة بين تلكؤ حكومة شارون في إقرار خطة فك الارتباط وتفريغها من مضمونها عند اقرارها من قبل الحكومة من جهة، والحماس المصري الظاهر لإنجاز ترتيبات ما بعد الجلاء الإسرائيلي عن القطاع المحتل، والذي رافقه حماس إقليمي ودولي مماثل من جهة ثانية.

لم تساورنا الشكوك حول قدرة المصريين على تتبع تفاصيل المشهد الإسرائيلي الداخلي، فالقاهرة من بين عواصم عربية قليلة تتابع عن كثب اتجاهات الريح الإسرائيلية، ولم نجد تفسيرا للمسافة بين التلكؤ والحماس، سوى بالافتراض أن قنوات خلفية، ثنائية وثلاثية، إقليمية ودولية، تعمل بزخم، بعيدا عن مشاجرات السياسيين الإسرائيليين وانتهازية أحزابهم...بعيدا عن أعين الصحافة وكاميراتها.

ولقد استوقفتنا تصريحات شارون بعد إقرار حكومة شاورن للخطة المفرغة من مضامينها...شارون تحدث عن خطته الأصلية، كما لو أنه لم يقل ليبرمان وإيتام، كما لو أنه لم يسمع تهديدات المفدال والاتحاد الوطني...شارون تصرف كما لو أن حكومة الوحدة الوطنية مع العمل وشينوي ومن يدعمه من الليكود مضمونة في "الجيب"...شارون استنجد بالمصريين لإقناع وزير خارجيته بجدوى ترك غزة للفلسطينيين، بدل تركها لمياه البحر تغمرها.

أمس، استيقظت إسرائيل على وقع أزمة سياسية جديدة...هزة سياسية جديدة...شارون مرر للحكومة خطة معدلة، فيما البحث جار حول سبل تنفيذ خطته القديمة...البحث منصب حول مقدار التعويض لعائلات المستوطنين...البحث يتجه نحو انسحاب شامل وسريع، وفي غضون عشرة أيام عمل لا أكثر ولا أقل.

البعض في إسرائيل يعتقد أن الجلاء سيتم في أيلول، وبعضهم يؤكد أنه سيتحقق قبل حلول موسم الأعياد...لا يريدون انسحابا على مراحل، لا يريدون لصور الاشتباكات بين الجيش والمستوطنين تتكرر شهرا بعد آخر، يريدونها مرة واحدة، دفعة واحدة لتنتهي مفاعيلها السلبية على الداخل الإسرائيلي في أسرع وقت ممكن. مجلة الجيش الإسرائيلي تنشر خططا تفصيلية عن الانسحاب والتعويضات، وسط ذهول أركان اليمين وتهديدات قاسية لشارون الذي لا يتوقف عند "الإشارة الحمراء" أبدا...بل وتهديدات تطال حياته.

والخلاصة أن ثمة زخما يعطى الآن لخطة الجلاء عن القطاع وبعض المستوطنات المعزولة في شمال الضفة الغربية، وعلى الفلسطينيين، أن ينتبهوا للأمر من جانبين: الأول، يجب أن لا يكون الوضع الفلسطيني الداخلي بانفلاته وانفلاشه سببا في عرقلة الجلاء الإسرائيلي تحت أي ظرف من الظروف....والثاني، يجب أن لا يدفع ثمن استرجاع غزة "من كيس" الضفة الغربية، فهذا ما يريده شارون، وما قد يتواطأ معه بعض الأمريكيين وبعض العالم. ولعلها ليست صدفة أبدا، أن يترافق التحضير للجلاء عن غزة، مع استئناف أعمال البناء في جدار الفصل العنصري الاستيطاني وتسريعها ومع الشروع في بناء »مدينة سكنية« استيطانية جديدة قرب بيت لحم...هذا هو الفصل الأخطر في خطة الفصل أحادي الجانب، وعلى هذه النقطة بالذات، يجب أن تتركز كل الجهود الفلسطينية والعربية. - الدستور -