الزاوية، بدو، حبلة، بيت دقو، قلقيلية، بدرس، بيت سوريك، أبو ديس، الرام، وعشرات القرى والبلدات والمدن والأحياء ومئات الآلاف من المواطنين يعيشون محنة إنسانية لا مثيل لها ويدفعون ثمنا باهظا جراء بناء سور الفصل العنصري الإسرائيلي. مقابل ذلك قامت خمس شركات فلسطينية بتسريب 783 ألف طن من الإسمنت المصري للسوق الإسرائيلية، تقول التقديرات أن هذه الكمية من الإسمنت استخدمت في بناء السور ، والشركات المتهمة حسب قرار المجلس التشريعي هي ،شركة قنديل الطريفي للباطون الجاهز وشركة جمال الطريفي للباطون الجاهز ، وشركة انتصار بركة للتجارة العامة ، وشركة يوسف بركة للتجارة العامة ، والشركة الفلسطينية للخدمات التجارية . وقد قامت الشركات بهذه المهمة التجارية، بعد أن قدمت لهم وزارة الاقتصاد الوطني أذونات الاستيراد بسخاء ما بعده سخاء. مفارقة عجيبة بين من يتعذبون ويقهرون ويفرض عليهم نكبة جديدة ، وبين من يربحون ويكدسون الثروات!! . لكن هذه المفارقة المحزنة المبكية التي أعلنها المجلس التشريعي، لم تحرك ساكنا، وكأن ما جرى يعد شيئا طبيعيا. للوهلة الأولى استبشر المتفائلون بالتغيير خيرا، وهم يرون لجان المجلس التشريعي تتابع ملابسات الصفقة التجارية وتحاول توخي الموضوعية والدقة وتتوج عملها بتحويل ملف الشركات المذكورة إلى النائب العام لاتخاذ الإجراءات القانونية. وأخذ المتفائلون جرعة إضافية عندما نشرت الصحف تفاصيل التقرير الصادر عن لجان المجلس التشريعي. وبات الجميع ينتظرون ما سوف يأتي في اليوم التالي. كثيرون توقعوا أن يقدم وزير الاقتصاد الوطني ماهر المصري استقالته بعد أن حملته اللجان المسؤولية الكاملة عما حدث، وأن يتخذ المدعي العام خطوات لمتابعة القضية. والأهم من ذلك، كانت التوقعات تحوم حول إمكانية خروج مسيرات احتجاج جماهيرية تطالب بمحاسبة المسؤولين وبفتح ملف الفساد والكسب غير المشروع وإطلاق عجلة الإصلاح، ولم يستبعد المتشائمون خروج العرائض الموقعة من مئات المثقفين والأكاديميين التي تطالب بتصويب الأوضاع الداخلية وإعادة ترميم البيت الفلسطيني المتصدع. وكان الحد الأدنى الذي لم يختلف عليه كثير في مجال التوقعات، أن يقوم الإعلاميون بإشباع هذه القضية بحثا وإغنائها بالمعلومات عبر التحقيقات والكتابات النقدية من اجل المساهمة في خلق رأي عام، ليس ضد الفساد وحسب بل ومن اجل التصدي للفساد بالوسائل الديمقراطية.

للأسف، جاء رد الفعل بأقل القليل. لم تستقل الحكومة، ولا وزير الاقتصاد، ولا حتى المدير العام الذي قدم أذونات الاستيراد. علما أن البلدان الديمقراطية تستقيل الحكومات والوزراء فيها لأسباب اقل بكثير من هذه الأسباب. حكومتنا ووزاراتنا مشغولة بالتنافس على الصلاحيات والامتيازات وبإعداد وتزكية قوائم الترفيع للوظائف العليا، وتبادل التهاني بالترفيعات التي تحظى بالموافقة. هذه الأولوية حالت دون اكتراث الحكومة وموظفيها بصفقة الإسمنت وبمعركة السور التي تجددت الآن بمعدلات سريعة. الحكومة الإسرائيلية دخلت في سباق لاستكمال بناء 150كم من سور الفصل العنصري في اكثر الأماكن حساسية، أي وسط التجمعات البشرية. وحكومتنا دخلت في سباق لترفيع "150" موظفاً إلى وكيل ووكيل مساعد ومدير عام. بيانات قليلة، ومقالات قليلة جدا طالبت بالمحاسبة، وساد الصمت والانتظار وقلبت الصفحة ولم يبق إلا الهمس خلف الجدران. واختفت المعارضة بقدرة قادر. نعم في هذه اللحظة المريضة تغيب المعارضة وتصمت صمت القبور. وكأن قضايا المجتمع والوطن لا تهمها. كيف لا، وهي التي حولت النضال إلى عمل نخبوي يخص مجموعات قليلة من المناضلين، وحيدت الشعب، بعد أن حولته إلى جمهور من المتفرجين والمنتظرين.

ما جرى عرضه لا يستغرق المشهد الفلسطيني برمته ،إنه الجزء المظلم الذي يلف كل من حوله بالسواد، والى جانبه أجزاء تنبض بالحياة في ذات المشهد ، كالكفاحية الشعبية التي تحتفظ بزخم كبير ويعبر عنها في المواجهات البطولية دفاعا عن الأرض والحقوق في عشرات المواقع التي يقام عليها سور الفصل العنصري. وقوة الاحتمال والصبر التي تحول دون الاستسلام. إن شعباً يمتلك هذه المواصفات الرائعة الوثيقة الصلة بعدالة القضية، لهو قادر على تصويب مسيرته وإعادة بناء بيته الداخلي وخاصة إذا ما تم تجاوز المفهوم الخاطئ الذي يرجئ الإصلاح إلى ما بعد الخلاص من الاحتلال. لقد ثبت أن الفساد الإداري والمالي يشكل عقبة كبيرة أمام النضال ويهدده بالانتكاس. الفساد يفقد الشعب ثقته بالسلطة والحركة الوطنية والمعارضة بل ويفقده الثقة بالنفس. الفساد حتى لو اقتصر على أفراد من السلطة والقيادة، يفقد السلطة والقيادة المصداقية لدى الشعب. وهذا ما ثبت في تجربة السنوات القليلة الماضية وما أكدته استطلاعات الرأي المتعددة والمتعاقبة. إن الدفاع عن المصير الوطني المهدد اكثر من أي وقت مضى، يرتبط الآن أوثق ارتباط بالإصلاح وبوضع حد للفساد الإداري والمالي. بدءا بفتح الملفات القديمة والجديدة لمسؤولين متهمين بالتصرف الشخصي بالمال العام وأموال دافعي الضرائب، أمثال جويد الغصين ومحمد رشيد وقادة شرطة وأجهزة متهمون باقتطاع دوري من موازنة العاملين في أجهزتهم ، وكل من تصرف بالمال العام خارج النظام والقانون. وبالقدر الذي نصون فيه بيتنا الداخلي بالقدر الذي نتقدم على جبهة الدفاع عن مصيرنا الوطني وحقوقنا المشروعة.

أمام الشعب الفلسطيني فرصة جدية للخروج من عنق الزجاجة. تلك الفرصة التي يتيحها الآن فشل الهيمنة الأميركية المطلقة غير المقيدة على العالم، واضطرار الإدارة الأميركية للعودة إلى سياسة تقييد هيمنتها بعض الشيء. وقد بدأت معالم التراجع النسبي الأميركي تظهر للعيان بعودة الولايات المتحدة لمجلس الأمن ومراعاة الحلفاء قليلا- قرار مجلس الأمن حول العراق - وبيان الدول الثماني حول مشروع الإصلاح في الشرق الأوسط، واعتبار خطة شارون خطوة نحو الحل وليس نهاية للحل. اذاً، الظروف الدولية الجديدة تتيح انطلاقة فلسطينية جديدة، تخترق الحصار وجدران العزلة المحكمة التي فرضتها حكومة شارون، والانتقال من طور تلقي الضربات والسياسة الدفاعية السلبية إلى طور المبادرة وسياسة الدفاع الإيجابي.ومن أجل الانتقال إلى هذه السياسة الإيجابية التي تتيحها المتغيرات فإنه يتعين العمل على:

أولا: فتح ملف الإصلاح الداخلي وإعطاء جرعة ثقة للمواطنين بإقالة كافة المسؤولين عن تسريب الإسمنت المصري للسوق الإسرائيلية في سائر الوزارات وإدخال تعديل وزاري لمصلحة حكومة مصغرة،وإقالة وزير الاقتصاد وكافة المسؤولين ممن لهم صلة سلبية بهذه الصفقة ، ومحاكمة أصحاب الشركات الضالعة في هذه الصفقة، ووقف وتجميد الترفيعات السابقة واللاحقة في أجهزة ومؤسسات السلطة ، وفتح ملفات التصرف في المال العام من قبل مسؤولين.

ثانيا: التحضير الجدي لانتخابات الرئاسة والمجلس التشريعي والبلديات من خلال تحديد فترة زمنية وخطوات عملية، ووضع الولايات المتحدة والدول الأخرى على محك التعاطي مع الديمقراطية في فلسطين .

ثالثا: رفض فلسطيني قاطع للتعاطي مع أية خطوة انسحاب إسرائيلية في غزة على حساب تعميق الاحتلال في الضفة الغربية. إن تعميق الاحتلال يتم الآن من خلال استكمال بناء سور الفصل العنصري بطول 150كم. وبالتالي يصبح مطلب وقف السور والتراجع عن البناء السابق في أولوية الأجندة الفلسطينية،وشرطا فلسطينيا والعمل على تحويله إلى شرط أردني ومصري وعربي ودولي. وبدلا من التعاطي مع خطوات في خطة شارون كبناء الأجهزة وتولي الأمن، من المفترض أن يسبق أية خطوة من هذا النوع موقف عملي واضح وغير ملتبس من قبل الأشقاء من قضية الجدار.

رابعاً: بدء حوار فلسطيني جدي ومحدد بسقف زمني، هدفه. تحديد أهداف برنامجية مشتركة. ونزع الذريعة الأمنية الإسرائيلية المستخدمة في بناء السور من خلال إعلان موقف فلسطيني مشترك بوقف العمليات ضد المدنيين الإسرائيليين خلف الخط الأخضر.