لا مصر تخطط للعودة الى قطاع غزة، الذي غادرته وتخلت عن إدارته بسبب الاحتلال الاسرائيلي في العام 1967، ولا الاردن يريد العودة الى الضفة الغربية التي كانت جزءاً منه وغادرها للأسباب الآنفة الذكر ذاتها، وما عدا ذلك فهو مجرد مخاوف وهواجس غير مبررة وهو «تغميس» خارج الصحن وهو افتعال لأزمة بسبب العجز من جهة ومن جهة أخرى بسبب هذا الاستعصاء في العملية السلمية.

لا يريد الاردن ولا تريد مصر سوى إنعاش الواقع الفلسطيني، ليصبح بالإمكان العودة الى طاولة المفاوضات. ولا يريد الاردن ولا تريد مصر إلا إعادة تأهيل قوات الامن الفلسطينية لتستطيع مِلْء الفراغ ، في حال انسحاب اسرائيل المفترض من قطاع غزة أولاً ومن الضفة الغربية في فترة لاحقة، فلا أطماع سياسية ولا جغرافية ولا ديموغرافية، والشعب الفلسطيني أحق بأي جزء من وطنه ليقرر مصيره فوقه وليقيم دولته المستقلة ويحقق ولو جزءاً من أحلامه الوطنية.

بالإضافة الى موجبات الالتزام القومي وحق الشقيق على شقيقه والجار على جاره، فإن لمصر في قطاع غزة، وللأردن في الضفة الغربية، مخاوف وحسابات أمنية. فأي فلتان أمني في قطاع غزة سيؤثر على مصر بالتأكيد، وأي فوضى وعدم استقرار في الضفة الغربية سيؤثر تأثيراً مباشراً على «الضفة الشرقية»، التي هي الاردن الذي تحكمه علاقات مع فلسطين. الضفة الغربية أولاً ثم قطاع غزة ثم عرب الارض المحتلة منذ عام 1948، لا تحكم علاقة أي دولة عربية أخرى بالقضية الفلسطينية.

يهم مصر، فوق الالتزام القومي والإقليمي بالقضية الفلسطينية، الا ينفجر برميل البارود في غزة بعد الانسحاب الاسرائيلي المفترض منها والا تتحول هذه المنطقة الى دولة «طالبان» ثانية تكون حاضنة للإرهاب ومصدّرة له في اتجاه الجنوب، وفي كل الاتجاهات الاخرى، ولذلك فإنها عندما تتحرك على هذا النحو، بعد ان وصل الوضع الفلسطيني الى ما وصل إليه، فإنها لا تريد نفوذاً ولا تسعى لأي تمدد جغرافي، وهي ليست بحاجة الى وكْر الدبابير هذا بينما لديها سيناء التي بإمكانها استيعاب الملايين من المصريين في حال تأهيلها لمثل هذا الاستيعاب.

ويهم الأردن، المملكة الاردنية الهاشمية، بالإضافة الى الواجب القومي وما يتوجب على الشقيق إزاء شقيقه، الأقرب والأعز، الا يضرب الضفة الغربية أي زلزال أمني والا يفلت زمام الامور لا من يد الرئيس ياسر عرفات ولا من يد السلطة الوطنية الفلسطينية، فالعلاقة بين الضفتين تشبه الماء في الأواني المستطرقة وأي زكام تصاب به الضفة الغربية ينتقل بأسرع من سرعة الضوء الى الضفة الشرقية، وإذا دمعت عين القدس تدمع عين عمان، وإذا بكت نابلس تبكي الكرك والزرقاء وإربد وكل المدن الأردنية.

لا يعرف البعض، حتى بعض العرب، ان هناك تداخلاً بين الاردن والضفة الغربية لا مثيل له حتى بين ابناء محافظتين او منطقتين في الدولة الواحدة، وانه عندما تنصب خيمة عزاء في جنين أو قلقيلية أو الخليل أو رام الله أو حتى غزة تقام خيمة مثلها في المفرق ومادبا ومعان والعقبة وبالطبع في عمان والزرقاء وإربد.

عندما أطبقت الدبابات الاسرائيلية على مقر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في مبنى «المقاطعة» في رام الله وأخذ أبو عمار يردد عبر الفضائيات وقنوات اجهزة الاعلام «شهيداً .. شهيداً .. شهيداً»، ربما أصاب بعض العواصم العربية أرق وقلق، لكن عمان لم تنم تلك الليلة على الاطلاق وبقيت تعيش كوابيساً وهواجس لم يعشها الآخرون. وفي تلك الليلة الطويلة بطول دهر، بلغت قلوب الاردنيين الحناجر وتجاوزت مخاوفهم وهواجسهم وحساباتهم مخاوف وهواجس وحسابات سكان الضفة الغربية وأهل رام الله ذاتها.

هذه هي طبيعة العلاقات بين الاردنيين والفلسطينيين وبين الضفة الشرقية والضفة الغربية. ولذلك فإنه أمر طبيعي وعادي ان يعيش الاردن التطورات والظروف الفلسطينية، وان يبقى يضع يده على قلبه وان يهتم كل الاهتمام بأي خلاف بين أي مسؤول فلسطيني وزميله وأي بوادر تمرد على ياسر عرفات والسلطة الوطنية وأي اهتزاز أمني سواء كانت أسبابه ومسبباته العدوان الاسرائيلي المتلاحق أم بعض المنغصات الفلسطينية الداخلية.

إن هذا هو الذي يجعل الاردن في حالة استنفار دائم تجاه الوضع المتفاقم في الضفة الغربية، وفي قطاع غزة بالطبع، وهذا يجب ان لا يُفهم على الاطلاق كما يحلو للبعض ان يتصور وان يتخيل، إنه حنين للماضي عندما كانت الضفة الغربية الشق الآخر للمملكة الاردنية الهاشمية، فهذا الماضي لا رجعة له على الاطلاق، ولقد طلّقه الاردنيون بالثلاث، والحديث، حتى مجرد الحديث عنه، يعتبره الاردن مؤامرة عليه أولاً، ومؤامرة على القضية الفلسطينية وانتقاصاً من حق الشعب الفلسطيني الذي يستحق بعد كل هذه التضحيات والعطاءات ان يقرر مصيره بنفسه، وأن يجسد حلمه الوطني بأن تكون له دولته المستقلة أسوة بكل شعوب الكرة الارضية.

حتى العام 1974، عندما أصدر العرب قرارهم التاريخي من خلال قمتهم الشهيرة في الرباط، باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني بقي الاردن يسعى لاستعادة علاقاته الوحدوية، علاقة الجزء بالكل والكل بالجزء، بالضفة الغربية، لكن بعد ذلك، وبعد ان أصبحت المنظمة الفلسطينية تُعامَلُ في عمان وفي العديد من العواصم العربية معاملة دولة، فقد تراجعت هذه المساعي حتى حدود التلاشي ولقد كانت الخطوة النهائية قرار فك الارتباط الإداري المعروف الذي اتخذه عاهل الاردن الراحل الملك حسين في عام 1988 .

لقد أصبحت هذه المسألة منتهية، فالأردن، وهذه سياسة ثابتة وراسخة، وليست مجرد مناورة من المناورات والألاعيب العربية المعهودة، مع قيام الدولة الفلسطينية الكاملة السيادة والقابلة للاستمرار والتطور والجاذبة غير الطاردة والمزدهرة والمستقرة على الاراضي، كل الاراضي التي احتلت في العام 1967، وعلى أساس قراري مجلس الامن الدولي 242 و 338 وكل القرارات الدولية اللاحقة.

والاردن يتمسك بأن ياسر عرفات رئيساً منتخباً لا يحق لأي دولة او أي جهة في هذا الكون، باستثناء الشعب الفلسطيني، التحدث عن إقصائه أو استبداله أو تقليص صلاحياته. والاردن ليس له أي «أجندة» في الضفة الغربية غير «أجندة» الفلسطينيين الذين يناضلون من أجل تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المستقلة فوق تراب وطنهم الذي لا وطن لهم غيره حتى وإن رفع البعض شعار التوطين والاستيطان.

لا سياسة للأردن، بعد تجارب ما بعد عدوان يونيو (حزيران) عام 1967 وبعد كل هذه التطورات والمواقف والمستجدات، غير السياسة المعلنة، والاردنيون يرفضون حتى مشروع «الفيدرالية» بين الضفة الشرقية والضفة الغربية وهم يعتبرون أن مجرد التلويح بهذا المشروع او الحديث عنه، الآن وفي المستقبل القريب، مؤامرة عليهم وعلى بلدهم وخيانة للشعب الفلسطيني ولقضيته واستسهالاً للحلول وخدمة للمخططات والتطلعات الإسرائيلية.

لو أن الأردن تراوده أي أطماع «إلحاقية»، ولو أنه لا يزال يحلم بالعودة الى واقع ما قبل يونيو (حزيران) عام 1967 أو الى صيغة قريبة من تلك الصيغة، لكان عمل بطريقة مختلفة ولكان له تنظيمه ومنظمته في الضفة الغربية وعلى غرار الجبهة العربية التي كانت امتداداً للنظام العراقي السابق في الساحة الفلسطينية ومنظمة «الصاعقة»، التي تعتبر الذراع التنظيمي لحزب البعث (السوري) ولسوريا في منظمة التحرير.

ثم لو أن الاردن تراوده مثل هذه الاحلام ومثل هذه التطلعات «الإلحاقية» ، فلما أقدم في تلك الخطوة «الدراماتيكية» على إخراج قادة «حماس» من الاردن وإبعادهم عن هذا البلد، مع العلم ان «الاخوان المسلمين» الذين تشكل هذه الحركة ذراعهم السياسي والعسكري في الساحة الفلسطينية، يصرون على عودة الضفة الغربية الى الاردن، وما زالوا يرفضون قرار فك الارتباط ويعتبرونه ـ مع ان الملك حسين هو الذي اتخذه ـ قراراً غير دستوري وغير شرعي، وبالمقدار ذاته فإنهم يرفضون قيام الدولة الفلسطينية، ولا يعترفون بالسلطة الوطنية، ولا يقرون بأن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. لا يريد الاردن العودة الى الضفة الغربية حتى وإن قُدِّمت إليه على طبق من ذهب، وحتى لو أستُفْتِي الشعب الفلسطيني وصوت كله على العودة الى صيغة ما قبل الرابع من يونيو (حزيران) عام 1967، ولذلك فإنه من المستغرب جداً ان يجري كل هذا الغمز واللمز وان تفتعل مشكلة مع الاردنيين افتعالاً وتدفع «كتائب الأقصى»، التي لم يُعرف حتى الآن لمن تتبع، ومن الذي يمسك بالخيوط التي تحركها، بالإساءة لشعب تربطه بالشعب الفلسطيني كل هذه العلاقات ولبلد يكرس كل جهده وعلاقاته من أجل التوصل الى حل عادل لقضية فلسطين، أساسه قيام الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة. - الشرق الأوسط -