) لقد بات معروفا الآن أن الاستقلال يؤخذ ولا يمنح، وأن كفاح أية أمة للحصول على حقوقها المنتهكة، واستعادة سيادتها المغتصبة، لا بد أن يؤتي ثماره). (ماتييل مغنم)

(إننا نرى إلى أي حد نكث الإنجليز بعهودهم، فقسموا البلاد و نفذوا سياستهم بالقوة الغاشمة على الناس خلال الخمسة عشر عاما الأخيرة، سياسة ستؤدي حتما إلى إفناء العرب و إحلال اليهود محلهم من خلال السماح بالهجرة اليهودية من جميع أرجاء العالم). (طرب عبد الهادي)

يذكرنا آذار، والثامن منه بالتحديد، بأوائل النساء اللواتي ثرن من أجل تغيير واقعهن سنة 1908م، و فرضن يوم ثورتهن هذا على العالم، حتى انتزعن اعترافا دولياً بهذا اليوم سنة 1910م، ما جعل نساء الأرض جميعا يحتفلن به بأشكال مختلفة، منذ ذلك التاريخ. تذكرنا أول مظاهرة نسائية عارمة، نظمتها عاملات النسيج في أمريكا، بأول مظاهرة نسائية نظمتها نساء فلسطين. يذكرنا الظلم بالظلم، والثورة بالثورة، و الريادة بالريادة. لقد شكل العام 1929م علامة فارقة في تاريخ المرأة الفلسطينية، ما أحدث أكبر تغيير في حياة المرأة العربية في فلسطين، كما عبرت إحدى قائدات الحركة النسائية في العشرينات و الثلاثينات "ماتييل مغنم". ولم تكن مشاركة النساء في التظاهرات السياسية، هي الأولى سنة 1929؛ إذ شاركت المرأة في التظاهرات السياسية منذ 1920م، و بالتحديد في 27/2/1920م و في 28/3/1921م ؛ حيث تظاهرت جنبا إلى جنب مع الرجل، هاتفة بسقوط بلفور وتصريحه و حكومته، وأعلنت عن رفضها للانتداب البريطاني، والأطماع الصهيونية في فلسطين، وتعرضت لرصاص البريطانيين، مثلما تعرض الرجل.

اشتعلت الثورة بشكل عارم سنة 1929م إثر حادث البراق؛ فاشتعل صدر المرأة الفلسطينية غضباً، و قررت أن تعمل، وأن توحد صفوفها، و تنظم نفسها، وتداعت إلى عقد مؤتمر نسائي فلسطيني في القدس. هذا المؤتمر الذي شكل دفعة قوية للحركة النسائية، والذي بين تنظيمه مدى حنكة وبراعة المرأة الفلسطينية. كتبت النساء مذكرة سلمنها إلى المندوب السامي نيابة عن المؤتمر، تضمنت قراراتهن واعتراضاتهن، وطالبن أن تجاب مطالبهن. أما قرارات المؤتمر فقد تلخصت في الاحتجاج على وعد بلفور، وعلى الهجرة الصهيونية إلى فلسطين، وعلى قانون العقوبات الجماعية، والاحتجاج على معاملة البوليس السيئة للسجناء العرب. و قرر المؤتمر القيام بمسيرة تجوب شوارع القدس الرئيسة، وتتوقف أمام القنصليات الأجنبية المختلفة، وقد سارت المظاهرة في مائة وعشرين سيارة، ووقفت أمام القنصليات، وقدمت مذكرة بالقرارات إلى القنصل.

و لم ينته المؤتمر بانتهاء أيامه؛ إذ انتخبت خلال المؤتمر لجنة تنفيذية، من أربع عشرة سيدة عهد إليهن بمتابعة قراراته، وقد بدأت اللجنة التنفيذية نشاطها بتكثيف الجهود، وتأسيس الجمعيات النسائية، وفقاً لقرارات المؤتمر في عكا، الناصرة، حيفا، يافا، رام الله، طولكرم، صفد، ثم باشرت بعدها في تنفيذ عملها السياسي والاجتماعي.

أما المظاهرة الثانية الاحتجاجية في تاريخ الحركة النسائية فقد كانت في 15 ابريل 1933م حين احتجت النساء على زيارة مسئولين بريطانيين- اللورد "اللينبي" واللورد "سوينتون"- إلى البلاد. (كان اللورد اللنبي قائدا لقوات الحلفاء في فلسطين أثناء الحرب، أما لورد سوينتون فقد كان وزيرا للمستعمرات). سارت النساء رغم هطول الأمطار، وعبرن شوارع القدس إلى مسجد عمر؛ حيث قامت "ماتييل مغنم"، وهي مسيحية، بإلقاء خطبة من منبر المسجد. وسارت المظاهرة إلى القبر المقدس، حيث قامت "طرب عبد الهادي"، وهي مسلمة، بإلقاء خطبة أمام مقبرة المسيح. وقد تناولت الكلمتان الهامتان في تاريخ الحركة النسائية، الظلم الفادح الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني، وإحساس المرأة بشبح الإبادة الكاملة، والطرد من الأرض، ورفضها للوعود التي قدمتها بريطانيا للعرب، حيث نكث البريطانيون عهودهم.

ولا شك أن اختيار النساء مسجد عمر، والقبر المقدس، مكاناً لإلقاء الكلمات السياسية، واختيار النساء، لقائدتين سياسيتين من ديانتين مختلفتين، لإلقاء هذه الكلمات، دلالة واضحة نستطيع أن نأخذ منها العبر. لقد رأت الرائدات مستقبلا مظلماً قادما؛ لكنهن تمسكن بما هو مشرق ومنير في تاريخهن، وحاولن أن يزرعن ثمراً علّه يثمر في يوم من الأيام.

لقد دخلت المرأة الفلسطينية معترك السياسة، واعية لهذا الدور، وتصاعد وعيها، وزادت خبرتها، وحنكتها، مع الممارسة السياسية، والنزول إلى الميدان، ذلك الحقل الذي كان طويلاً حكراً على الرجال.

تحية لرائداتنا الأوائل، اللواتي كان لهن شرف المبادرة، تحية لهن قائدات ومؤسسات و معلمات في يوم المرأة العالمي. عن: "الأيام"