معنى السلام الاستسلامى أن يبدى أصحاب الحق المغتصب استعدادهم للتنازل عن حقوقهم المغتصبة وعن كل ما يخشاه منهم المغتصب دون قيد ولا شرط بأمل أن يكتفى بما اغتصب واذا اكتفى بذلك فانهم يفتحون له ولأبنائه أبواب الحدود والقصور وهذا ما ينطبق تماما على موقف انظمتنا العربية من القضية الفلسطينية وكل ما تفرع منها وأهمها قضية اللاجئين. أما كيف وصلت هذه الأنظمة الى الحال المأساوى المزرى ولماذا صاروا يطرحونه الآن علنا وبدون خجل ولا حياء فانه من حق الأجيال الصاعدة المحرومة من الوعى التاريخى والسياسى ينبغى بل يجب وضع الحقائق والوقائع التالية:

1 ـ ان فلسطين بحقائق الجغرافيا والتاريخ جزء لا يتجزأ على مدى التاريخ من هذا الوطن العربى الكبير ولا ينفصل تاريخها والمؤامرة الاستعمارية الصهيونية عن تاريخه وعلى الأخص منطقة المشرق منه ومصر بموقعها المفصلى فقبل وعد بلفور عام 1917 كان وعد نابليون مماثلا له عام 1799 أثناء كان يحاصر عكا.

2 ـ نقفز الى ما بعد الحرب العالمية الأولى (1918-1914) حيث تم تجزئة المشرق العربى بما يسهل تنفيذ ذلك الوعد باشغال التقسيمات الجديدة بمشاكلها التحررية التى نتجت عن وضعها كلها تحت الانتداب البريطانى (فلسطين وامارة شرق الأردن ومملكة العراق) والانتداب الفرنسى (سوريا ولبنان).

3 ـ كان عدد اليهود فى فلسطين عند نهاية تلك الحرب العالمية الأولى حوالى الخمسين ألفا يتملكون من أرضها أقل من نصف الواحد فى المائة ووصل هذا العدد بالهجرة الشرعية وغير الشرعية برعاية بريطانيا عند قيام اسرائيل عام 1948 الى 600 ألف وزادت نسبة الأرض التى يتملكونها الى قرابة سبعة فى المائة فقط منها مليون دونم تبرعات من حكومة الانتداب.

4 ـ رغم أن الخطر الصهيونى كان منذ بداياته يستهدف الوطن الكبير الا أنه بحكم التجزئة تحمل الشعب العربى الفلسطينى وحده بمشاركات فردية ضئيلة عبء التصدى لهذا الغزو بثورات متلاحقة اقترنت فى العام 1936 باضراب شامل وعصيان مدنى استمر 180 يوما وانتهى بتدخل ملوك ورؤساء وامراء تلك الفترة الزمنية وكان هذا التدخل بداية مشاركة الانظمة العربية بالقضية الفلسطينية.

5 ـ فى مثل هذا الشهر عام 1945 قامت الجامعة العربية بسبعة أعضاء ليس بينها دولة واحدة متحررة من المعاهدات والقواعد العسكرية البريطانية والفرنسية وقد تقرر فى مؤتمر بلودان السرى الذى شارك فيه البريغادير (العميد) كلايتون اعتبار القضية الفلسطينية قضية عربية.

6 ـ بتاريخ 29 نوفمبر/تشرين الثانى عام 1947 أقرت الجمعية العمومية للأمم المتحدة فى اقتراعها الثانى بتدخل شخصى للرئيس هارى ترومان الذى كان يخوض معركة انتخابات رئاسية مماثلة لمعركة الانتخابات الرئاسية التى يخوضها بوش الابن الآن ولم يمكن فى الاقتراع الاول الذى جرى يوم 18 من ذلك الشهر الحصول على ثلثى الأصوات المطلوبة لاقراره. وكان يمكن وقتئذ لبعض الدول العربية التهديد بالنفط فى مواجهة الضغط الصهيونى ولكنها لم تفعل ذلك لأن فلسطين لا تساوى فى نظرها تعكير العلاقات مع الزعيمة الجديدة للاستعمار الرأسمالي.

7 ـ بمجرد موافقة الأمم المتحدة على التقسيم بدأ الشعب العربى الفلسطينى مقاومته بالسلاح وكانت البندقية ليس أكثر هى عماد هذه المقاومة، وارتفع ثمنها أيامئذ الى 350 دولارا. ثم انتظمت فى الجهاد المقدس بقيادة عبد القادر الحسينى الذى عاد خائبا بائسا من دمشق حيث كانت مقرا للجنة العسكرية المنبثقة عن الجامعة العربية ليخوض معركة الدفاع عن القدس واستشهد فى القصطل يوم 8 نيسان/ابريل 1948 قبل خمسة أسابيع من قيام اسرائيل . وارتكبت العصابات الصهيونية فى اليوم التالى مباشرة مذبحة دير ياسين.

8 ـ عندما دخلت الجيوش العربية يوم انتهى الانتداب واقيمت اسرائيل دخلت الجيوش العربية تحت شعار الحفاظ على عروبة فلسطين..وكانت الكوارث على أياديها. وهذا ما لا تعرفه الأجيال العربية الصاعدة المستهدفة بالتجهيل. عن: "العرب اونلاين"