مؤسس «حماس» الشيخ أحمد ياسين وعد بأن تنظيمه لن يخطف غزة ولن يدخل في معارك، ورئيس المخابرات المصرية عمر سليمان اكد رفض بلاده ادارة القطاع أيضا، وان مصر لن ترسل عسكريا واحدا، وفي نفس الوقت تسعى لتأمين الإجماع الفلسطيني. رغم كثرة هذه التطمينات، لا تقلقوا من غزة بعد التحرير، المخاوف الحقيقية في ان تتحول غزة الى ساحة حرب الإخوة عقب الانسحاب.
ومع ان معظم تصريحات الفصائل والتنظيمات الفلسطينية تعترف بخطورة الوضع المقبل الا انها لم تقدم اعترافا واضحا بولائها للسلطة المركزية وتسليمها بانها ستكون تحت ادارة سلطة الدولة كما هي، الرئيس ورئيس الوزراء والمجلس التشريعي والحكومة. بدون تسليم مبكر واعتبار ان السلطة صاحبة الحق في إقرار السياسة المقبلة، فان كل التأكيدات التي نسمعها لن تهدئ من مخاوف الجميع لأن هناك قناعة بأن معركة مقبلة مسألة وقت، حتى بدون انسحاب اسرائيلي.
فهناك من يرى ان «حماس» هي «حزب الله»، وان جهدها الحربي وراء «إخراج» الاسرائيليين من غزة، وبالتالي لها نفس الحق في ان ترث القطاع كما فعل «حزب الله» في الجنوب الذي لا يزال بعدده وعتاده حارسا وقوة حقيقية على الأرض. ولا يسعنا إلا ان نختلف مع هذا التصوير على اعتبار ان بحر الدم في السنوات الست الماضية كان من نصيب، تقريبا، كل الأطراف الفلسطينية.
وربما لن تعارض الأطراف الفاعلة في الحرب اليوم، بما فيها القوة الكبيرة أي «حماس»، ترك الشؤون البلدية للسلطة الفلسطينية لكنها من المرجح ان ترفض اعتبار غزة منطقة محظورة على تخريج المقاتلين وادارة العمليات بما يعني عمليا تعريضها للقصف الاسرائيلي.
وهنا يوجد امتحان المسؤولية، ليس فقط للتنظيمات القوية كـ«حماس» بل ايضا للسلطة نفسها التي تعاني من الفراغ القيادي والعجز السياسي. فانسحاب اسرائيل من غزة هو عمليا اول تحرير للاراضي الفلسطينية، على اعتبار ان ما أخذه الفلسطينيون في أوسلو كان نتيجة مفاوضات، اما استرداد غزة فهو محصلة حرب حقيقية، ومن المعيب ان يترك هذا الانجاز التاريخي عرضة للصراعات او للاحتلال الاسرائيلي من جديد.
وسيكون الموضوع الأمني، بعد تحرير غزة، هو الأول والحاسم على اعتبار ان هناك شكوكا كثيرة في قدرة الفلسطينيين على ضبط الأمن الداخلي ومنع الفصائل والتنظيمات من تحويل غزة الى معسكر حربي. واذا أمسكت السلطة بالجانب الأمني وساعدتها الأطراف الفلسطينية الأخرى على احترام الاتفاق المنتظر توقيعه او التفاهم حوله، فان الفلسطينيين يكونون قد حققوا اكثر من تحرير قطاع غزة باقتراب زمن تحرير الضفة الغربية ونهاية بالدولة. هذا الحلم هو اليوم أقرب الى الحقيقة من أي وقت مضى ولا نملك الا ان نهنئهم عليه. عن: "الشرق الأوسط"