لطالما أثبتت العواصم الأوروبية في كثير من المناسبات "الشرق أوسطية", قدرة فذة على اتخاذ السياسات الرجراجة والمواقف الفضفاضة الغائمة. وكخبراء قدامى في شؤون الصراع الصهيوني - العربي وقضية فلسطين, اجتهد الرسميون الأوروبيون خلال العقد الاخير بخاصة في ايجاد الصيغ التي يمكن بها ارضاء كل الاطراف العرب وإسرائيل والولايات المتحدة خصوصاً.
وعلى رغم امتعاض إسرائيل الظاهري من بعض هذه الصيغ, الا انها تعلم يقيناً الحدود التي يقف عندها الأوروبيون في معاكستها. هي تعلم مثلاً انهم لم يمارسوا في حقها ضغوطاً مادية مؤثرة مع انهم الشركاء الاقتصاديون الاكبر لها على الصعيد الدولي. وكان اقصى ما وظفوه ضدها من هذه الشراكة هو الامتناع عن استقبال السلع المصنعة في مستوطنات الارض المحتلة عام 1967. ولا بد من أن رجال السياسة والاقتصاد الإسرائيليين يسخرون بينهم وبين انفسهم من "مداعبة" كهذه, باعتبار ان تزوير او إخفاء مصدر الصادرات الى أوروبا - وبقية انحاء العالم - مسألة يسيرة على من احترف تزييف التاريخ كله!
وليس بلا مغزى بالنسبة الى حقيقة السياسة الأوروبية العاطفة على إسرائيل, ان معظم العواصم الأوروبية سارعت الى التبرؤ من نتائج الاستطلاع الذي صنف فيه الأوروبيون إسرائيل على انها الدولة الاخطر على السلم والامن الدوليين. لقد اكدت تلك العواصم ان انزعاجها من صدمة الاستطلاع لا يقل عن انزعاج تل ابيب. وبدلاً من ان يكون موقف الرأي العام تكئة وظهيراً لممارسة ضغوط أوروبية اشد على إسرائيل, راح الرسميون الأوروبيون قومياً واتحادياً, يفندون هذا الرأي ويرمونه بقلة الحكمة وعدم الحصافة. وبهذا اظهروا انهم على استعداد لطي اجراء ديموقراطي وموقف شعبي صادق من اجل إرضاء نسخهم الذي دشنوه ابان صولتهم الاستعمارية على صعيدي الفكر والممارسة.
هذا يعني في جوهر الامر ان السياق الشرق اوسطي بتعقيداته لا يسعف العواصم الأوروبية في كل الاوقات, وأن ثمة مناسبات كاشفة لا تملك معها هذه العواصم اخفاء انحيازها التاريخي الى اسرائيل.. ويبدو أن قضية جدار الاستيطان والفصل العنصري الذي تشق به إسرائيل جوف الوطن الفلسطيني واحدة من ابرز هذه المناسبات.
يقول الأوروبيون إن الجدار مخالف للقانون الدولي, ومعوق لمسيرة السلام (ترى أين هي هذه المسيرة؟!), واجراء أحادي الجانب, وله تداعيات مقبضة على الحياة الاجتماعية والاقتصادية للفلسطينيين, وجدواه وعوائده على الامن الإسرائيلي مشكوك فيها, وعندما عرضت القضية على الجمعية العامة, التزموا موقف إدانة بناء الجدار وشددوا على ضرورة وقفه. الى هنا كان الأوروبيون من جماعة المتسقين مع التسوية الحقوقية والسياسية والاخلاقية في التعامل مع القضية. لكن الافتراق عن هذه السوية ومفارقة الجماعة حدث أوروبياً بمجرد الاتجاه من القول الى الفعل... من توصيف القضية الى كيفية معالجتها, ذلك أنهم اعترضوا, كإسرائيل والولايات المتحدة, على الاحتكام الى محكمة العدل الدولية, علماً أن هذا الإجراء هو أضعف الايمان في قضية تبدو محسومة لمصلحة الجانب الفلسطيني.
الحيثيات الكاشفة لمكنون الانحياز الأوروبي الى إسرائيل لا تتجلى فقط في هذا الموقف المزدوج, بين رفض بناء الجدار ومعرفة أو توصيف انعكاساته الإجرامية وبين الاعتراض على التحكيم الحقوقي الدولي حوله, انما تظهر ايضاً من التبرير الأوروبي لهذا الموقف. فهم يطرحون ان دور محكمة العدل لا يكون فاعلاً الا عندما يعترف طرفا النزاع بصلاحيتها. وفي ذلك تجاهل فج بأن الذي طلب رأي المحكمة هو الجمعية العامة للامم المتحدة, لا الطرف الفلسطيني, وتجاهل أكثر فجاجة للمضامين الحقوقية - والاخلاقية والسياسية بالتبعية - التي ينطوي عليها هذا الرأي.
والواقع انه لو كان الأوروبيون جادين في اعتراضهم على الجدار, لاتخذوا من هذه الآلية, اي احالة الطلب من الجمعية العامة الى محكمة العدل كفرعين للامم المتحدة, ستاراً يدارون به مقاربتهم للقضية. وذلك بحسبهم لا يسندون موقفاً فلسطينياً ولا حتى عربياً, وانما رغبة أممية عامة تصعب المجاهرة بمخالفتها.
وما يساهم في كشف عورة الانحياز الأوروبي في هذه المناسبة, أنهم يعرضون بديلاً هزلياً لحل قضية الجدار, هو "إقناع إسرائيل بتغيير موقفها بخصوص الجدار"... وكأن إسرائيل من الدول التي تهتدي بمكارم الأخلاق ولها سجل عدلي وصحيفة سوابق محترمة, أو كأنها تستمع للقول فتتبع أحسنه!
يتصور البعض ان التذبذب الأوروبي أحجية يقع حلها في الضغوط الاميركية على حكومات القارة العجوز. ويذهب آخرون الى أن العلة تكمن في ضعف النظام العربي, الذي يسمح للأوروبيين بحرية التنطع بين السياسات والمواقف وقد استأمنوا الى انهم لن يدفعوا ثمناً لذلك من مصالحهم العربية. والحق ان هذين التفسيرين على وجاهتهما وصحتهما ليسا بكافيين لاستبصار كنه ما يجرى أوروبياً من تردد وغموض ازاء فكرة الضغط على إسرائيل.
في هذا الخصوص, يمكن طرح تفسير رديف اكثر عمقاً, موجزه ان أوروبا الرسمية تكن لإسرائيل المودة التي تكنها الأم لوليدها وان كان عاصياً عاقاً وتسبب لها في متاعب وإحراجات. في أوروبا نشأت الفكرة الصهيونية واشتد عودها. ثم ان هذه الذاكرة انتجت دولة ما كان لها ان تقف على سوقها من دون دعم دول القارة الأم ورعايتها, التي كانت سيدة العلاقات الدولية ذات حين بلا منازع. وأغلب الظن أن ما تستشعره أوروبا تجاه الولايات المتحدة, كتجربة استيطانية تنتمي اليها في التحليلين الأول والأخير, متغلغل في الوجدان الأوروبي ازاء إسرائيل, كتجربة استيطانية ثانية من صنعها.
فقه الاستعمار الاستيطاني يحفل بالتنظير للعلاقة التي تستمر بين الدول الاستعمارية الأم وكياناتها الاستيطانية في عوالم الآخرين, ومما يستنبط هنا أن الأوروبيين لن يحجموا عن رعاية عنجهية إسرائيل ولو عبر سبل وأدوات التفافية, الا في حال واحدة فقط, هي ان يجدوا أنفسهم مطالبين بسداد فاتورة اقتصادية وأمنية وسياسية وأخلاقية وحقوقية لا يملكون تحملها. وهذا ما لم يحدث حتى الآن ولا امل بحدوثه في الأفق المنظور. - الحياة اللندنية -