كلا، لا اقصد بذلك اغتيالها للشيخ احمد ياسين رحمه الله، وانما ما فعلته باليهود. فبعد دقائق من عملية الاغتيال، انطلقت سيارات الشرطة الاسرائيلية في القدس تزمجر بمكبرات الصوت تحذر اليهود من عمليات الانتقام وتناشدهم التزام الحيطة والتربص للاعتداءات المتوقعة، لقد اعادتهم حكومتهم الى ما كانوا عليه في القرون الوسطى. هكذا كانوا يعيشون. يتلفتون حولهم ووراءهم تفاديا للحجارة التي يرشقهم بها الصبيان والكلاب، التي يطلقها عليهم الكبار. كانت اياما هنيئة نسبيا، فقد كانوا في سيرهم معرضين للضرب بالحجارة. هنا في اسرائيل اصبحوا معرضين للضرب بالقنابل والخناجر والرصاص.
جاءت بهم الصهيونية الى فلسطين وقد وعدتهم بأنهم سيكونون في وطنهم الذي يأمنون به على ارواحهم، واذا بهذا الوطن يصبح الآن البلد الوحيد في العالم الذي لا يأمن به اليهودي على سلامته. يلتفت وراءه محاذرا اذا سمع وقع اقدام خلفه. يجلس في المقهى وعينه تتربص لأي شخص يدخل فيه. يسوق سيارته وعينه مسلطة على اي رجل واقف على الرصيف. وفي احسن الاحوال واسلمها يجد نفسه محاطا بنظرات الكره والحقد والتأنيب ورغبة الانتقام، نظرات المواطنين الاصليين الذين اغتصب ارضهم واذلهم وحولهم الى مواطنين درجة ثانية.
اين كل ذلك من اليهودي الجالس في شرفة قصره المطلة على شاطئ بروكلين في نيويورك؟ لا احد يهدده او يؤنبه او يكرهه. كل من حوله يعجبون به وبمنجزاته. لا يعيش على منة احد وعالة على المساعدات الخارجية، مواطنا في هذا البلاد الرحيب بكل ثرواته ومناظره الخلابة وحضارته المدهشة، بدلا من العيش في بلد نصفه صحارى وتلال مقفرة ومقابر بالية. لم تعد اسرائيل الملجأ الآن لليهودي. نيويورك وكاليفورنيا هما الملجأ الذي اخذ اليهودي يهرب اليه من اسرائيل.
يعطي اليهود العراقيون خير مثال على ما اقول. فالعقلاء منهم الذين رحلوا للغرب اصبحوا سادة للمجتمع ودهاقنة للثروة. تشارلس ساتشر نال لقب اللورد من الملكة وهو الآن من وزراء الظل. لا احد يتعرض لهم، ولا يعانون من عذاب الضمير او يطلب منهم قتل عرب آخرين والتخلي عن تراثهم العربي ومواجهة كل المشاكل النفسية التي عاناها المهاجرون اليهود العراقيون. لا اشك قط في ان اليهود العراقيين، لو خيروا بين امريكا واسرائيل، لما ترددوا باختيار امريكا. وكذا هو الحال بالنسبة لمعظم من جاءوا الى اسرائيل. انها الصهيونية التي اوصدت في وجوههم كل الابواب غير ابواب اسرائيل. وهناك اقامت لهم هذا الغيتو الكبير، المحاط بأسوار الغيتو، لا يخرج من ابوابه اليهودي الا على حذر، يتلفت حوله ووراءه ويواجه العيون الكارهة والحاقدة عليه، والنفوس التي تدعو الله خمس مرات في اليوم لموته والانتقام منه. أهذه هي الحياة الطبيعية لأي انسان سوي؟ أهذا ما حققته الصهيونية في ادعائها بتطبيع حياة اليهودي باعطائه وطنا خاصا به؟
لا يخامرني اي شك في ان يوما سيطل على الارض يلعن به اليهود هذا البعبع الذي القتهم به الحركة الصهيونية. - الشرق الأوسط -