لا يستطيع اي كاتب ان يدرك جميع ابعاد "نكبة فلسطين سنة 1948" لتشعب موضوعات ومفاهيم النكبة، فهناك المفهوم الاجتماعي والاقتصادي والجغرافي والتاريخي والعسكري والسياسي فكل مفهوم بحاجة الى كاتب متخصص او قل عالم متخصص في كل مساق رغم ارتباط جميعها بالمفهوم الجغرافي والتاريخي بالزمان والمكان.

لكن وبالمفهوم الشعبي يستطيع اي مسن عاصر النكبة ان يبدأ بجمع ذكرياته المترابطة والمتراصة لاسترجاع ما حدث قبل خمسة وخمسين عاما ما يجعل من حاضر هذه النكبة مستمرا وممتدا ومفتوحا في ذاكرة الفرد والجماعة حاضرة على استعادة حكاية الارض والشعب، حكاية القرية والمدينة، حكاية المأساة والبطولة.

عندما تمكنت قوات المستعمرين الصهاينة من احتلال الارض الفلسطينية سنة 1948 وشردت اهلها مستخدمة ابشع اساليب الارهاب والقتل والذبح الجماعي والتخريب، والتهجير بجميع اساليبه اللاانسانية، سكن المهجرون في مخيمات اشرفت عليها هيئة الامم المتحدة ولما طال الانتظار ولم يتم تطبيق قرار الجمعية العامة 194 لاعادتهم الى ديارهم، قامت هيئة الامم المتحدة بتكليف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بالاشراف الانساني على هذه المخيمات، وبناء وحدات سكنية تقيهم برد الشتاء وحر الصيف غير ان هذه الوحدات السكنية لم تكن من المتانة والقوة بحيث تستطيع الصمود لعدة سنين ظنا من القائمين على هذه المخيمات بان القضية ستحل خلال خمس سنوات من تاريخ بنائها واستمرت مشكلة المخيمات مع استمرار القضية الفلسطينية دون الوصول الى حل معقول لاعادتهم وجاء عدوان الخامس من حزيران سنة 1967 لتقع كل الارض الفلسطينية تحت سيطرة الاحتلال الصهيوني البغيض، وانصب غضب العنصرية الصهيونية المحتلة على المخيمات الفلسطينية لأنها تمثل لب الصراع وتجسد للعالم كله فداحة الجريمة ورعونتها التي اقترفتها الصهيونية بحق هؤلاء المهجرين الذين يسكنون في هذه المخيمات بدلا من بيوتهم الاصلية في قراهم ومدنهم التي سلبت منهم بالقوة والارهاب.

بدأت اسرائيل بمحاولة تمزيق اوصال مخيمات اللاجئين بالهدم والتقتيل والمسح عن الوجود كما حدث في مخيمات جنين وبلاطة، ورفح وخان يونس وجباليا والنصيرات لتعود الى بدايات الصراع قبل اكثر من 50 عاما لمحاولة طردهم ومتابعتهم للقضاء على المطالبين بحق العودة والحنين الى الارض والبيت والذكريات .. كون هذه المخيمات تشكل الدليل الفاضح على جرائم الصهاينة لاحتلال ارض فلسطين وتشريد اهلها الشرعيين الساكنين في مخيمات اللجوء، بدلا من بيوتهم وبيوت اجدادهم وارضهم وبساتينهم وبياراتهم التي سلبت منهم بالقوة والقهر، واعطيت للمهاجرين اليهود من جميع انحاء العالم الذين استوطنوها عليها، وبما تشكله هذه المخيمات من مشكلة للكيان الصهيوني نتيجة مطالبتهم بالعودة الى ارضهم وممتلكاتهم الشخصية والمؤيدة بالقوانين الدولية والشرعية قرار 194 وحق تقرير المصير وحقوق الانسان:

يفكر اليهود بالعودة الى وطنهم التوراتي قبل 2000 سنة كما ينص عليه اعتقادهم المزيف، يتساءل الفلسطينيون المهجرون في مخيمات اللجوء، لماذا لا نطبق اعتقادنا بالعودة الى بيوتنا قبل خمسة وخمسين عاما وليس قبل 2000 سنة كما يفكرون؟ الذين عاشوا في فلسطين وفقدوا بيوتهم، وفقدوا وسيلة عيشهم كما ان ابناءهم ينطبق عليهم هذا الوصف، والذين يبلغ عددهم بشكل عام 5115095 حسب احصاء سنة 1999 منهم حوالي مليون ونصف المليون يعيشون في مخيمات اللجوء، يتمسكون بسندات ملكية لبيوتهم واراضيهم وبتراثهم ومعتقداتهم.

على الرغم من شظف الحياة وبؤسها ومآسيها فقد حافظ المهجرون الفلسطينيون على حق العودة وتمسكوا به ولم يكن بالنسبة اليهم مجرد حلم، وانما واقع لا بد من تحقيقه، توارثته الاجيال جيلا بعد جيل وهذا ما يغيظ العدو الصهيوني المحتل، وكلما جاء جيل جديد كان ايمانه اقوى من الذي قبله، بما تشكله ظروف التشرد والتهجير والقهر والظلم من حوافز خاصة بهم، لم تثن عزمهم في البحث عن وسائل تمكنهم من تحقيق عودتهم، وجاءت الانتفاضة الاولى عام 1987 والتي انخرط فيها شعبنا بكافة شرائحه الاجتماعية والسياسية والمهنية لتؤكد تصميمه على دحر الاحتلال مهما بلغت التضحيات وفي جميع مراحل النضال الفلسطيني وجميع المعارك التي خاضها شعبنا فقد تحملت مخيمات اللجوء كما تحمل شعبنا بأسره الاعباء الكبيرة بما قدمه من تضحيات في انتفاضته الاولى وكذلك في انتفاضته الثانية، انتفاضة الاستقلال والعودة والحرية، انتفاضة الاقصى التي ابقت على حق عودة المهجرين كهدف رئيسي، والهدف السامي ضمن اهداف الشعب الفلسطيني الطامح الى التحرير وتقرير المصير وظلت مخيمات اللجوء صامدة لتشهد على عمق ودوام مأساة الفلسطينيين ولتؤكد ايضا ان المهجرين لم ولن يتخلوا عن اراضيهم وحقهم في العودة اليها مهما كان الثمن، ومهما بلغت التضحيات وقد دفعت على مذبح هذا المفهوم مئات الآلاف من الشهداء والاسرى والجرحى والمشوهين والبيوت المدمرة لكي تبقى قضية المهجرين تطرح بقوة على بساط البحث مهما تجاهلت اسرائيل حقهم وعدم استعدادها للتعاطي السياسي مع هذه القضية وخاصة قرارات الامم المتحدة الخاصة بذلك وبما تقوم به من تهيئة المجتمع الدولي للتشكيك في هذا المطلب وعدم امكانية تطبيقه واقناع العالم بمحاولة شطب القرارات التي تشير الى حقهم في العودة، كما تحاول شطب وتهديم ما يدل على هذا الحق بعد ان جرى ترحيل ملف اللاجئين الى مرحلة مفاوضات الحل النهائي ومحاولة الحكومات الاسرائيلية تغيير مضمون ملف اللاجئين والمماطلة في معالجته ثم اطلاق المبادرات التي لا تتناول حل مشكلة اللاجئين.

لكن صناع القرارات لم يتمكنوا من كسر ارادة هذا الشعب وطمس هويته الوطنية لا بالتشريد ولا بالمجازر ولا بتحويل الوهم الى واقع ولا بتزوير التاريخ .. وفي هذا اليوم تأتي ذكرى النكبة في غمرة دفاع مخيمات جنين وبلاطة وعسكر وجباليا ودير البلح وخان يونس والامعري وشعفاط وجميع مخيمات اللاجئين في الوطن ودفاعهم بالنفس والنفيس عن حقهم الطبيعي في الحرية وتقرير المصير على جزء من ارض وطنهم التاريخي.

بعد ان افصح مفهوم السلام عند الصهاينة عن نية استمرارهم في الاحتلال اشتعلت الانتفاضة من جديد، لتعبر عن مقاومة الاحتلال ومحاولة القضاء على تجريد الفلسطينيين من ارضهم ومصادر حياتهم وعلى مقدساتهم الاسلامية والمسيحية، ومحاصرتهم بالمستوطنات والطرق الالتفافية، اشتعلت حركة احتجاج شعبية ومدنية من حيث الجوهر كمقاومة للاحتلال بجميع اشكاله، بقيادة الشعب الفلسطيني بجميع قواه الوطنية والاسلامية لتثبيت حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وعودة المهجرين الى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها، وقد استطاعت ان تقنع معظم دول العالم بتطبيق قرارات الشرعية الدولية وبأن حق العودة حق مقدس لا يمكن التنازل عنه باعتباره حقا فرديا وحقا جماعيا لا يسقط بالتقادم او التوكيل في ظل الاحتلال غير المشروع، فلا تجوز فيه الانابة من الناحية القانونية حيث ان الاتفاقات الموقعة لا تلغي حق العودة فالخيار فيه يعود للمهجر نفسه ومنعه يعتبر عملا عدوانيا وبدأت الجهود الدولية والرسمية والشعبية مقتنعة تطالب من الناحية القانونية والشرعية بتطبيق حق العودة باعتباره الاساس لحل قضية فلسطين.

ان ذكرى السادسة والخمسين عاما، والتي تأتي في ظل الظروف الاحتلالية والمؤيدة من قبل الولايات المتحدة الاميركية على الشعب والقيادة، لا تزال تشتعل في نفوس ابناء هذا الشعب الجبار، الذي يجدد مقاومته واساليب التصدي لارهاب الدولة وللعدو الصهيوني، لافشال اهدافه وخاصة اجباره على ترك الارض والممتلكات لكي ينعم فيها هذا العدو العنصري بمساندة قوى الشر الاميركي وتظهر هذه الذكرى اصرار الشعب الفلسطيني على مواصلة انتفاضته ومقاومته باتجاه تحقيق آمال وطموحات الشعب الفلسطيني على اقامته دولته المستقلة وعاصمتها القدس. ان شعبا عظيما كالشعب الفلسطيني لا يهمه ما احدثته زيارة شارون من صدمة عنيفة للتوقعات العربية والدولية، وما احدثته من مفاجأة نتيجة للمدى الذي ذهب اليه الرئيس الاميركي من تحول ملحوظ تجاه قضية الشرق الاوسط والشعب الفلسطيني على وجه الخصوص، وما اعطاه من وعود للجانب الصهيوني من موافقته على الغاء حق العودة.

ان تجمع اللاجئين المهجرين في الوطن والشتات وجميع المؤسسات الاهلية العاملة في مجالات المحافظة والدفاع عن حق العودة للاجئين المهجرين في العودة الى ديارهم تؤكد وتعتبر ان حق العودة حق اساسي من حقوق الانسان تؤكده المواثيق الدولية والميثاق العالمي للحقوق المدنية والسياسية، وان حق اللاجئين المهجرين الفلسطينيين في العودة الى ديارهم حق غير قابل للتصرف، ولا يسقط بمرور الزمن، وهو حق اكدته الامم المتحدة بموجب قرار الجمعية العامة رقم 194 الصادر في 11 ايلول 1948 وقرارات دولية اخرى.

ان حق العودة شخصي في اصله لا تجوز فيه الانابة او التمثيل، او التنازل، لأي سبب من الاسباب في اي اتفاق او معاهدة، وانه لا ينتقص او يتأثر باقامة دولة فلسطينية بأي شكل من الاشكال، لأنه نابع من حرمة الملكية الخاصة والتي لا تزول بالاحتلال او السيادة.

اننا نعلن عدم تنازلنا عن اي جزء من حقوق عودتنا الى اراضينا وممتلكاتنا الخاصة، التي تم تهجيرنا منها بالقوة، ولن نتنازل عن حقنا في التعويض عن معاناتنا استنادا الى قرارات الامم المتحدة والشرائع القانونية العالمية المعمول بها واننا نطالب هيئة الامم المتحدة وشرفاء العالم واحراره بانهاء معاناة الشعب الفلسطيني من الاحتلال العسكري الصهيوني العنصري، ونطالبهم بملاحقة المحتلين لتطبيق قرارات الشرعية الدولية، وخاصة القرار 194 ونعلن حقنا المشروع في اقامة دولتنا المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. - الحياة الجديدة -